يعني : كان آخر حالهم كأوله على حد سواء ؛ لأن قلوبهم كالحجارة ، وأشدّ قسوة ، فلم ينجع فيها العظة ، ولم يحصل من الصحبة إلا النفرة لعدم المجانسة.
قوله تعالى : (وَاللهُ أَعْلَمُ بِما كانُوا يَكْتُمُونَ) [المائدة : ٦١].
يعني : إنكم تفترون بظواهرهم مما قالوا : آمنا فتظنون أنهم مخلصون في إيمانهم ؛ لأنكم إنما تحكمون بظاهر الحال ، ولا تعلمون باطنه ؛ بل الله يعلم ما يكتمون ، ويسرّون من الكفر ؛ فهم مؤمنون عند الناس ، وكفار عند الله ، وقولهم : آمنا لا اعتداد به في الحقيقة.
هذا وللآية معنى آخر من طريق الإشارة وهو : إن المراد بمجيئهم : دخولهم في عالم العين الخارجي ، ووصولهم إلى حدّ التكليف الشرعي ، فهم بسبب أنهم طبّعوا على الكفر يقولون : آمنا : أي بالإيمان العارضي ؛ لكن لا يعتدّ به في نفس الأمر ؛ لأنهم قد دخلوا في هذا العالم بالكفر الذاتي الأصلي الذي هو في علم الله بحيث لا يتغير أصلا ؛ ولذا خرجوا من هذا العالم بالموت الطبيعي مع ذلك الكفر ؛ لأن السعادة العارضة لا تؤثّر في الشقاوة الذاتية بالتغيير ، والعبرة بالخواتم ، فإذا كانت الخاتمة على الكفر ؛ وهي مرآة الفاتحة ؛ كانت الفاتحة على ذلك ، وإن كانت مكتومة مستورة علينا.
والله أعلم بهذا الأمر المكتوم ؛ يعني : يعلم أن سابقتهم الكفر ، ولو بالقوة ؛ إذ لا إيمان ولا كفر لا في عالم الأرواح ، ولا في عالم العلم ، وإنما ظهر ذلك في عالم العين الخارجي بأسباب مخصوصة.
فإذا كانت السابقة هي الكفر ؛ فليكن الخاتمة أيضا كذلك ؛ لأنه لا يجوز التغيّر في لوح القضاء والقدر ، فظهر إن من الناس من هو مؤمن عند الله ، وعند الناس ، ومنهم من هو مؤمن عند الناس لا عند الله ، ومنهم من هو مؤمن عند الله لا عند الناس ، وكذا حال الكفر فاعتبره.
ثم في الآية معنى آخر حقيقي يذوقه المحققون وهو : إن المراد بالنفاق ؛ هو النفاق الأكبر الحقيقي ، وهو أن يكون للمحقق وجه في كل مظهر من المظاهر ، وفي كل مذهب من المذاهب ؛ لجمعية نشأته من حيث إنه إنسان أكمل ، فهو يقول في الظاهر :
![مرآة الحقائق [ ج ١ ] مرآة الحقائق](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4225_merato-alhaqaiq-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
