فقوله : «علم ما لم يعلم» : إشارة إلى هذا العلم الذي هو نتيجة التقوى المأخوذة من الشرع ، لا نتيجة الأمور الموضوعة من طريق العقل.
ومن هنا ذمّ الوضع مطلقا ؛ لأنه عقيم ، ومدح الشريعة ؛ لأنها ولود ، والولود وإن كانت سوداء ؛ فحسنة مع أن الشريعة بيضاء صورة ، ومعنى.
كما دلّ عليه قوله صلىاللهعليهوسلم : «تركتكم على المحجة البيضاء» (١).
والعقيم إذا كانت حسنة بيضاء ؛ فقبيحة سوداء ؛ ولذا أمرنا بإكثار النكاح ؛ لتكثير الذّريّة ، وبثّ النسل ؛ ليظهر كمال الدين ، وحقيقة التوحيد ، وإمداد السواد الأعظم ؛ وهم هذه الأمة المرحومة القاصرة أعمارها في الظاهر ، الكاملة أنوارها في الباطن ، فإنهم جاءوا وقت الأصيل ، وظله هذا الوقت ممدود فأعرف ذلك.
وإن كان من الأشقياء ؛ فإنما يستكمل له أمره في مدة سبعين سنة غالبا ؛ لأن قعر جهنم إنما يبلغه في هذه المدة ، كما عرف في قصة الهدّة ، وكما أن القصب ينمو أبنوبا فأبنوبا فكذا الإنسان في باب الخير والشر.
فإن قلت : فقد يكون بحيث لا يبلغ الإنسان إلى المدة التي ذكرت؟.
قلت : إن الله تعالى إنما ذكر الإملاء في حق الذين وصفهم بالخبث الزائد ، فلكل من أهل السعادة والشقاوة مراتب مراتب ، فطيب وأطيب ، وخبيث وأخبث.
وقوله : (وَلَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ) إشارة إلى أن الإهانة إنما جاءت في الحقيقة من قبل الأسباب الخارجية ؛ كطول العمر ، والغنى ، والجاه ، ونحو ذلك.
وقد ثبت أن النبي صلىاللهعليهوسلم خشى على أمته من المال ، وسعة الدنيا ، وجعل حب الجاه آخر ما يخرج من رؤوس الصدّيقين ، فأمثال ذلك قد تحصل للعبد ؛ لكن من
__________________
ـ وبالجملة : عليك بالحق وفريقه وأهله وطريقه ، فإن الرجال إذا تنوعوا دار الأمر بينهم وفيهم وعليهم.
لا زوال للحق ولا شك فيه ، ولا يأخذه النقص ولا يختلف ولا يتغير ، وهو الذي به هو الشيء وما هو ، وهو الشاهد المتفق من جميع جهاته ، وهو هو كما تقدم ، وكل حائر فمن أجله كانت حيرته وفيه وبه. فافهم. فإنه هو المطلوب وبه يطلب ، ومنه الطالب وله ومنه وعنه الكل. وقد خرج بنا الكلام إلى غير الذي قصدناه فنرجع له بحول الله تعالى.
(١) ذكره المناوي في فيض القدير (٤ / ٥٠٦) ، وابن القيم في شرح المختصر للمنذري (١ / ٨٧).
![مرآة الحقائق [ ج ١ ] مرآة الحقائق](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4225_merato-alhaqaiq-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
