المجاهدات إذا أرادوا صون قلوبهم عن الخواطر الردية لم ينظروا إلى المحسّات ـ وهذا أصل كبير لهم فى المجاهدة فى أحوال الرياضة (١).
ويقال قرن الله النهى عن النظر إلى المحارم بذكر حفظ الفرج فقال : (وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ) تنبيها على عظم خطر النظر ؛ فإنه يدعو إلى الإقدام على الفعل.
ويقال قوم لا ينظرون إلى الدنيا وهم الزّهّاد ، وقوم لا ينظرون إلى الكون وهم أهل العرفان ، وقوم هم أهل الحفاظ والهيبة كما لا ينظرون بقلوبهم إلى الأغيار لا يرون نفوسهم أهلا للشهود ، ثم الحق ـ سبحانه ـ يكاشفهم من غير اختيار منهم أو تعرّض أو تكلف.
قوله جل ذكره : (وَقُلْ لِلْمُؤْمِناتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ ما ظَهَرَ مِنْها وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلى جُيُوبِهِنَّ)
المطالبة عليهن كالمطالبة على الرجال لشمول التكليف للجنسين ، فالواجب عليهن ترك المحظورات ، والندب والنّفل لهن صون القلب عن الشواغل والخواطر الردية ، ثم إن ارتقين عن هذه الحالة فالتعامى بقلوبهن عن غير المعبود ، والله يختص برحمته من يشاء.
قوله : (وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا ما ظَهَرَ مِنْها) : ما أباح الله ـ سبحانه ـ على بيان مسائل الفقه فمستثنّى من الحظر ، وما وراء ذلك فالواجب عليهن حفظ أنفسهن عن العقوبات فى الآجل ، والتصاون عن أن يكون سببا لفتنة قلوب عباده. والله سبحانه كما يحفظ أولياءه عما يضرهم فى الدّين يصونهم عما يكون سببا لفتنة غيرهم ، فإن لم يتصل منهم نفع بالخلق فلا تصيب أحدا بهم فتتة.
وفى الجملة ما فيه زينة العبد لا يجوز إظهاره ؛ فكما أنّ للنساء عورة ولا يجوز لهن إبداء زينتهن فكذلك من أظهر للخلق ما هو زينة سرائره (٢) من صفاء أحواله ، وزكاء أعماله
__________________
(١) سقطت (الرياضة) من النسخة ص.
(٢) هنا يجدد القشيري رأيه بدقة فى قضية الإفصاح والكتمان. فالأصل عنده الكتمان ، فإذا افصح العبد فلا يكون ذلك إلّا لاضطرار ويكون عندئذ غير مؤاخذ لأنه بعيد عن التعمل والتكلف.
![لطائف الإشارات [ ج ٢ ] لطائف الإشارات](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4180_lataif-alisharat-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
