وجرّدهم عن حولهم وقوّتهم ، وكان النائب عنهم فى جميع تصرفاتهم وحالاتهم ، وحفظ عليهم آداب الشرع ، وألبسهم صدار الاختيار فى أوان أداء التكليف ، وأخذهم عنهم باستهلاكهم فى شهوده ، واستغراقهم فى وجوده ... فأىّ سبيل للشيطان إليهم؟ وأي يد للعدو عليهم؟
ومن أشهده الحقّ حقائق التوحيد ، ورأى العالم مصرّفا فى قبضة التقدير ، ولم يكن نهبا للأغيار ... فمنى يكون للّعين عليه تسلط ، وفى معناه قالوا :
|
جحودى فيك تقديس |
|
وعقلى فيك تهويس |
|
فمن آدم إلّاك |
|
ومن فى البيت إبليس (١) |
قوله جل ذكره : (وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ (٤٣) لَها سَبْعَةُ أَبْوابٍ لِكُلِّ بابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ (٤٤))
اجتمعوا اليوم فى أصل الضلالة ، ثم الكفر ملل مختلفة ، ثم يجتمعون غدا فى العقوبة وهم زمر مختلفون ، لكلّ دركة من دركات جهنم قوم مخصّون.
قوله جل ذكره : (إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٤٥))
المتقى من وقّاه الله بفضله لا من اتّقى بتكلّفه ، بل إنه ما اتقى بتكلفه إلّا بعد أن وقّاه الحقّ ـ سبحانه ـ بفضله. هم اليوم فى جنات ولها درجات بعضها أرفع من بعض ، كما أنهم غدا فى جنّات ولها درجات بعضها فوق بعض.
اليوم لقوم درجة حلاوة الخدمة وتوفيق الطاعة ، ولقوم درجة البسط والراحة ، ولآخرين درجة الرجاء والرغبة ، ولآخرين درجة الأنس والقربة ، قد علم كلّ أناس مشربهم ولزم كلّ قوم مذهبهم.
قوله جل ذكره : (ادْخُلُوها بِسَلامٍ آمِنِينَ (٤٦))
__________________
(١) هذان البيتان للحلاج (الطواسين ص ٤٣) والديوان المقطعة رقم ٢٨ ومعناهما : أننى لو سجدت لغيرك ـ حسبما أمرتنى ـ فأنا جاحد ، ولكن ـ نظرا لمعرفتى بك ـ فإن جحودى عين تقديسى ، لأننى أعلم أنه لا يستحق السجود على الحقيقة إلا أنت ، فأنا راض باحتمال لعنتك ثمنا لعدم امتثالى لإرادتك.
![لطائف الإشارات [ ج ٢ ] لطائف الإشارات](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4180_lataif-alisharat-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
