من عزيز تلك النصرة أنه لم يستأنس بثانيه الذي كان معه بل رد الصّدّيق إلى الله ، ونهاه عن مساكنته إياه ، فقال : ما ظنّك باثنين الله ثالثهما؟
قال تعالى : (إِذْ يَقُولُ لِصاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللهَ مَعَنا).
ويقال من تلك النصرة إبقاؤه إياه فى كشوفاته فى تلك الحالة ، ولو لا نصرته لتلاشى تحت سطوات كشفه.
ويقال كان ـ عليهالسلام ـ أمان أهل الأرض على الحقيقة ، قال تعالى :
(وَما كانَ اللهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ) (١) ، وجعله ـ فى الظاهر ـ فى أمان العنكبوت حين نسج خيطه على باب الغار فخلّصه من كيدهم.
ويقال لو دخل هذا الغار لا نشقّ نسيج العنكبوت .. فيا عجبا كيف ستر قصة حبيبه ـ صلوات الله عليه وعلى آله وسلم؟!
ويقال صحيح ما قالوا : للبقاع دول ، فما خطر ببال أحد أنّ تلك الغار تصير مأوى ذلك السيّد ـ صلىاللهعليهوسلم! ولكنه يختص بقسمته ما يشاء كما يختص برحمته من يشاء.
ويقال ليست الغيران (٢) كلها مأوى الحيّات ، فمنها ما هو مأوى الأحباب. ويقال علقت قلوب قوم بالعرش فطلبوا الحق منه ، وهو تعالى يقول :
(إِذْ يَقُولُ لِصاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللهَ مَعَنا) فهو سبحانه ـ وإن تقدّس عن كل مكان ـ ولكن فى هذا الخطاب حياة لأسرار أرباب المواجيد ، وأنشدوا :
|
يا طالب الله فى العرش الرفيع به |
|
لا تطلب العرش إن المجد فى الغار |
وفى الآية دليل على تحقيق صحبة الصدّيق ـ رضى الله عنه ـ حيث سمّاه الله سبحانه صاحبه ، وعدّه ثانيه ، فى الايمان ثانيه ، وفى الغار ثانيه ثم فى القبر ضجيعه ، وفى الجنة يكون رفيقه.
__________________
(١) آيه ٣٣ سورة الأنفال.
(٢) الغار يجمع على أغوار وغيران
![لطائف الإشارات [ ج ٢ ] لطائف الإشارات](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4180_lataif-alisharat-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
