اللهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللهِ وَلا رَسُولِهِ وَلا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً وَاللهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ (١٦))
من ظنّ أنه يقنع منه بالدعوى ـ دون التحقق بالمعنى ـ فهو على غلط فى حسبانه. والذي طالبهم به من حيث الأمر صدق المجاهدة فى الله ، وترك الركون إلى غير الله ، والتباعد عن مساكنة أعداء الله .. ثقة بالله ، واكتفاء بالله ، وتبرّيا من غير الله.
وهذا الذي أمرهم به ألا يتخذوا من دون المؤمنين وليجة فالمعنى فيه : ألا يفشوا فى الكفار أسرار المؤمنين.
وأول من يهجره المسلم ـ لئلا تطّلع على الأسرار ـ نفسه التي هى أعدى عدوّه ، وفى هذا المعنى قال قائلهم :
|
كتابى إليكم بعد موتى بليلة |
|
ولم أدر أنّى بعد موتى أكتب |
ويقال : إن أبا يزيد (١) ـ فيما أخبر عنه ـ أنه قال للحقّ فى بعض أوقات مكاشفاته : كيف أطلبك؟ فقال له : فارق نفسك.
ويقال إن ذلك لا يتمّ ، بل لا تحصل منه شظيّة إلا بكىّ عروق الأطماع والمطالبات لما فى الدنيا ولما فى العقبى ولما فى رؤية الحال والمقام ـ ولو بذرّة. والحرية عزيزة (٢) .. قال قائلهم :
|
أتمنى على الزمان محالا |
|
أن ترى مقلتاى طلعة حرّ |
قوله جل ذكره : (ما كانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَساجِدَ اللهِ شاهِدِينَ عَلى أَنْفُسِهِمْ
__________________
(١) هو أبو يزيد البسطامي كان جده (سروشان) مجوسيا وأسلم ، وهو أحد إخوة ثلاثة كانوا جميعا زهادا وأصحاب أحوال ، مات سنة ٢٦١ ، وقيل سنة ٢٣٤ (طبقات السلمى) و (رسالة القشيري).
(٢) (والحرية عزيزة) هنا معناها نادرة الوجود.
![لطائف الإشارات [ ج ٢ ] لطائف الإشارات](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4180_lataif-alisharat-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
