قوله جلّ ذكره : (وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبى وَاسْتَكْبَرَ وَكانَ مِنَ الْكافِرِينَ)
السجود لا يكون عبادة لعينه (١) ولكن لموافقة أمره سبحانه ، فكأن سجودهم لآدم عبادة لله ؛ لأنه كان بأمره ، وتعظيما لآدم لأنه أمرهم به تشريفا لشأنه ، فكأن ذلك النوع خضوع له ولكن لا يسمى عبادة ، لأن حقيقة العبادة نهاية الخضوع وذلك لا يصحّ لغيره سبحانه.
ويقال بيّن أن تقدّسه ـ سبحانه ـ بجلاله لا بأفعالهم ، وأن التجمّل بتقديسهم وتسبيحهم عائد إليهم ، فهو الذي يجل من أجلّه بإجلاله لا بأفعالهم ، ويعز من أعزّ قدره سبحانه بإعزازه ، جلّ عن إجلال الخلق قدره ، وعزّ عن إعزاز الخلق ذكره.
قوله تعالى : (فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ) أبى بقلبه ، واستكبر عن السجود بنفسه ، وكان من الكافرين فى سابق حكمه وعلمه. ولقد كان إبليس مدة فى دلال طاعته يختال فى صدار موافقته ، سلّموا له رتبة التقدم ، واعتقدوا فيه استحقاق التخصيص ، فصار أمره كما قيل :
|
وكان سراج الوصل أزهر بيننا |
|
فهبّت به ريح من البين فانطفا |
كان يحسب لنفسه استيجاب الخيرية ، ويحسب استحقاق الزلفة والخصوصية :
|
فبات بخير والدنى (٢) مطمئنة |
|
وأصبح يوما والزمان تقلبا |
فلا سالف طاعة نفعه ، ولا آنف رجعة رفعه ، ولا شفاعة شفيع أدركته ، ولا سابق عناية أمسكته. ومن غلبه القضاء لا ينفعه العناء.
ولقد حصلت من آدم هفوة بشرية ، فتداركته رحمة أحدية ، وأما إبليس فأدركته شقوة أزلية ، وغلبته قسمة وقضية. خاب رجاؤه ، وضلّ عناؤه.
__________________
(١) الضمير عائد على آدم أي ليس السجود لآدم عينه ، ويحتمل أنها (لغيره) بدليل قوله فيما بعد (وذلك لا يصح لغيره سبحانه)
(٢) وردت (والزمان) وقد صححنا البيت طبقا لما ورد فى عيون الأخبار لابن قتيبة.
![لطائف الإشارات [ ج ١ ] لطائف الإشارات](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4179_lataif-alisharat-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
