سورة القدر
بسم الله الرّحمن الرّحيم
١ ، ٥ ـ (إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (١) وَما أَدْراكَ ما لَيْلَةُ الْقَدْرِ (٢) لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ (٣) تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيها بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ (٤) سَلامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ (٥))
[القدر : ١ ، ٥]
ليلة القدر تكشف قدر الإنسان ، وقدره عدم لقيامه بالله ، فهو منه وبه وإليه ، وليلة القدر كشف الحجاب عن ليل الروح المتواري فإذا هو ظاهر ، وإذا الإنسان قد كوشف فعرف من هو ، ومن ربه ، وأين ربه ، وكيف يفعل به ، قال ابن عربي : كلما أراد العبد أن يتحقق بعبوديته حقر قدره إلى أن يلحق نفسه بالعدم الذي هو أصله ، ولا أحقر من العدم ، فلا أحقر من نفس المخلوق ، فسمى أيضا ليلة القدر لمعرفة أهل الحضور فيها بأقدارهم ، أعني بحقارتها ، مع أن الخير الذي ينالونه شر.
ومتى شاهد الإنسان ليلة القدر صار إلى الآخرة ، وقامت قيامته ، وجاءت ساعته ، فهو قد انتقل من دنيا المظاهر والبوار إلى عقبى الدار ، وأي دار؟ فيها يكشف كل أمر حكيم ، من قبل العليم العظيم ، فإذا الإنسان أمام الذات الكبرى هباء منثور ، وذر مذرور ، وإذا الله الظاهر والباطن ، والأول والاخر ، وإذا التناقض والتضاد في هذا التوحيد تمثيل ، وإذا هما نار موحدة ، رآها موسى ، فقال له ربه عندها : (إِنِّي أَنَا اللهُ رَبُّ الْعالَمِينَ) [القصص : ٣٠] ، فلا صراع بعد شهود ليلة القدر ، ولا مكابدة ، ولا مجاهدة ، ولا أسى على ما قد مضى ولا فرح بما هو آت ، فالله قد صار الولي ، ولي عبده المصطفى ، يقلبه ذات اليمين وذات الشمال ، وكلب نفسه باسط ذراعيه من قوتي الشهوة والغضب بالوصيد ، وإذا العبد الصالح قد قام من بين النيام في الكهف فخرج إلى الواقفين بالباب ، الراجين ، رحمة الله ، فبشرهم باليقين ، وانهمار ماء علوم الدين ، سلاما للسائلين ، سلام قولا من رب رحيم ، سلام قولا من رب رحيم.
![التفسير الصوفي الفلسفي للقرآن الكريم [ ج ٢ ] التفسير الصوفي الفلسفي للقرآن الكريم](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4154_altafsir-alsufi-alfalsafi-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
