أسرار الفضاء ، وكيف أن للكواكب عمرا وأفلاكا ومسارات محددة ، كذلك فإن سكان الأرض هم جزء من هذا المخطط الكوني الذي حدد كل شيء ، ورسم بيان كل شيء.
لقد بحثت الفلاسفة كثيرا موضوع الحرية والجبرية ، فمنهم من قال بحرية الإنسان كسارتر القائل إن الإنسان مشروع وجود ، كيفما شاء حققه ، وفهم من قال بالجبرية ، مثل اسبينوزا ، ومنهم من عد هذه المسألة سرا من الأسرار مثل كانط الذي لم يستطع أن يوفق بين قانون العلية ـ السببية والحرية الإنسانية ، ومنهم من آمن بالجبرية أولا مثل فشته ، ثم نفذ منها إلى الإيمان بإمكان الحرية الإنسانية كما فعل في كتبه الأخيرة.
والصوفية يقولون إن الموضوع يخرج على نطاق الحرية والجبرية جميعا ما دام في الوجود وجود حقيقي واحد هو الوجود الإلهي ، وأن الوجود الإنساني نسبي إضافي وإمكاني بحت ، فما دام لله الوجود الحق فكيف يتأتى للإنسان أن يكون حرا ، فيكون حاله كحال كوكب خرج على نظام الفضاء العام ومسيرة الكواكب ، فسبح يمينا أو شمالا ، أو تردد بين بين.
وما حير الفلاسفة بخاصة شعور الإنسان بأنه حر ، يتردد في مواقف في اتخاذ قرار ، ثم يتخذ هذا القرار ، وهذا ما بينه فشته نفسه وكثير من الفلاسفة وعلماء النفس ، والحقيقة أن هذا الشعور ، والتذبذب بين الخواطر ، ثم اتخاذ القرار هو أيضا موقف إلهي ، والله وصف نفسه بأنه فعال لما يريد ، وبأنه غالب على أمره ، وأنه لن يشاء الإنسان إلا أن يشاء الله ، فهو الذي يرمي النفس بسهام الخواطر ، وهو الذي يجعلها تتردد ، وتسمى النفس في هذا الحال قلبا أي من التقلب ، وهو الذي يجعلها تختار أخيرا ، فالعملية وإن بدت إنسانية فهي إلهية ، وهي لعبة أيضا تدخل في نطاق لعب الأسماء ولهذا وصف سبحانه نفسه بأنه حر يفعل ما يشاء ، قال الإمام الغزالي إن قلت أفليس للعبد اختيار في الفعل والترك ، قلنا نعم ، وذلك لا يناقض قولنا إن الكل من خلق الله ، بل الاختيار أيضا من خلق الله ، والعبد مضطر في الاختيار الذي له.
وتحدثت الآية عن المصيبة التي تصيب الإنسان ، والتي هي في كتاب سابق على وجود النفس الجزئية ، وهذا بدهي ما دامت النفس في القبضة قبل خلقها ، وإبان خلقها ، وبعد خلقها ، وخلال ما تكون حية تسعى حتى تقبض ، وإيمان كهذا يجعل الإنسان في راحة ما دام قد آمن بالله مالكا للنواصي كاتبا على الناس ما يصيبهم من خير وشر في حياتهم ، ومن منظور هذا الإيمان يكون التوكل الذي هو اعتماد الأسباب أولا ، ثم تقبل النتيجة سلبا أو أيجابا من الله تعالى ، ولما قدم عمر الشام ، سمع أن بها طاعونا ، فأمر الجيش بالرجوع ، فسأله رجل : أفرارا من قدر الله يا عمر؟ فأجاب : نفر من قدر الله إلى قدر الله ، والجواب يدل على فهم عميق للفعل الإلهي الذي يشمل التفكر والتردد وإجماع الأمر فأحداث العالم هي من تخطيط
![التفسير الصوفي الفلسفي للقرآن الكريم [ ج ٢ ] التفسير الصوفي الفلسفي للقرآن الكريم](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4154_altafsir-alsufi-alfalsafi-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
