ذليل أصبح عزيزا ، فالمعادلة تقتضي أن يكون الله بالمرصاد ، حي لا تأخذه سنة ولا نوم ، فللإنسان حرية جزئية محدودة ضمن قوسي مفهوم اسمه الاسم ، والأسماء لله ، واتجاه السير محدد فهو من أإلى ب : ومن ب إلى ج ، ثم من ج إلى د ، أو من د إلى أ ، والله بالمرصاد يرى أن تحقيق القصد يقتضي تحويلا وتصعيدا وتطويرا وتدخلا وإخراجا وقهرا وإحكاما ، ولهذا كان سبحانه كما قال كل يوم هو في شأن.
فالكليات متحققات كما تسبح الكواكب في أفلاكها ، والإنسان كذلك كوكب سيار في فلكه ، له قصده وعليه تحقيق القصد ما دام هو صورة الرحمن ومظهر الله وصفته وفعله ، ولهذا نفت الصوفية وجود الإنسان ، وقالت لا موجود بحق إلا الحق ، وانكر ابن عربي أن يكون ثمت وجود ثان إلى جانب الوجود الإلهي ، فالاثنينية وهم وخداع ، وهي موجودة للتقليب ، والتقليب موجود للفتق والاختراع فسبحان من أعار عبده عواريه من القوى والصفات والأسماء ، وأطلقه في فلكه مسبحا له ، بل المخلوقات كلها مسبحة لله خالقها ، والله القائل : (وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ) [الإسراء : ٤٤].
فعلى القدر أن يحقق مقصد القضاء ، فالقدر عبد القضاء ، وللعبد أن يغدو ويروح ويقوم ويقعد ويأكل ويشرب وينكح ويتكلم ، ولكنه عبد على أي حال ، والعبد في اللغة الإنسان ، والإنسان صورة الرحمن ، أنشد الإمام الشافعي
|
ما شئت كان وإن لم أشأ |
|
وما شئت إن لم تشأ لم يكن |
|
خلقت العباد على ما علمت |
|
ففي العلم يجري الفتى والمسن |
|
على ذا مننت وذا خذلت |
|
وهذا أعنت وذا لم تعن |
|
فمنهم شقي ومنهم سعيد |
|
ومنهم قبيح ومنهم حسن |
وأنشد عبد الغني النابلسي :
|
ليس المغني وليس الدف في يده |
|
غير المصور فينا سائر الصور |
|
وكلها عدم يبدو الوجود بها |
|
ويختفي عند مغرور ومعتبر |
|
هي التصاوير شاءتها الإرادة من |
|
خير وشر ومن نفع ومن ضرر |
٣١ ، ٤٢ ـ (سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلانِ (٣١) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٣٢) يا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطارِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لا تَنْفُذُونَ إِلاَّ بِسُلْطانٍ (٣٣) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٣٤) يُرْسَلُ عَلَيْكُما شُواظٌ مِنْ نارٍ وَنُحاسٌ فَلا تَنْتَصِرانِ (٣٥) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٣٦) فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّماءُ فَكانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهانِ (٣٧) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٣٨) فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْئَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ
![التفسير الصوفي الفلسفي للقرآن الكريم [ ج ٢ ] التفسير الصوفي الفلسفي للقرآن الكريم](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4154_altafsir-alsufi-alfalsafi-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
