والنبي يجيب ، كما ظهر له تارة أخرى في صورة دحية أجمل الناس وجها ، فالواحد الذي هو الألوهية اقتضى المألوهية أي الصفات ، فظهر الواحد بشيء وفي شيء ، فصار النور المعنوي شيئا يرى بضم الياء.
ولقد أوردنا من قبل قول الفارابي في العقل : يكفي أن تعقل شيئا حتى تتحرك قوى الجسم لعمله وإنجازه ، فالواحد الذي هو عقل كلي يريد فتتحرك قوى الوجود ، ومنها القوى التسعة الأرسطية التي سبق الحديث عنها ، لتحقق إرادة العقل ظاهرا فيكون العالم العياني وتكون الحركة فيه.
والإنسان صورة الواحد ، ولهذا كان مألوها ، وبين الألوهية والمألوهية صلة لا تنفصم عراها ، لأن الفعل أصلا هو للعقل الكلي كما بينا ، وعليه فالإنسان صورة حية للواحد ، ومجموع هذا الواحد الظاهر هم الناس الظاهرون فتكون الكثرة واحدة من حيث الجوهر والماهية والنوع ، وكثرة من حيث العرض والأجزاء والصفات.
والآية تقول : (إِنَّ إِلهَكُمْ لَواحِدٌ) والمعنى يفيد التوحيد الذي لا يقبل الشركة في الملك ، ولهذا سميت هذه السورة الصافات ، وخصت بالحديث عن الملائكة الذين قلنا إنهم معقولات الصافات ، وهي أنوار صرفة صادرة عن الواحد وقائمة به.
وفي قصة آدم أن الله أمر الملائكة بالسجود لآدم ، ولما كان آدم أبا البشر كما جاء في الحديث ، والنبي أبا الأرواح ، ولما كان إله البشر واحدا ، كانت صورة سورة الصافات متمثلة في شجرة جامعة ، سميت سدرة المنتهى ، أي من المنتهى ، وهذه باطنة ، ويكون النبي ظاهرا صورتها الظاهرة ، وباطنا صورتها الباطنة ، ولهذا أرسل النبي صلىاللهعليهوسلم إلى الناس كافة ، كما أرسل رحمة للعالمين ، لا لعالم دون عالم ، كما كانت له الشفاعة للناس ، لأن جوهره الواحد لا يقبل الشفاعة فحسب بل يقتضيها ، ذلك لأنه لا يكون عن الواحد إلا واحد ، كما قال ابن عربي : إذا ضربت الواحد في نفسه لم يظهر لك سوى نفسه ، فاضرب أنا في أنا يخرج لك في الخارج هو والمعنى أن طبيعة الألوهية تقتضي الشفاعة ما دامت هي المصدر والمقوم للذر والمحرك للذر في العالمين.
٦ ، ٩ ـ (إِنَّا زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِزِينَةٍ الْكَواكِبِ (٦) وَحِفْظاً مِنْ كُلِّ شَيْطانٍ مارِدٍ (٧) لا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلى وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جانِبٍ (٨) دُحُوراً وَلَهُمْ عَذابٌ واصِبٌ (٩))
[الصافات : ٦ ، ٩]
خصت الآية السادسة السماء الدنيا بزينة الكواكب ، وقالت الآية السابعة إن هذه الكواكب تحفظ الدنيا من الشياطين ، ومعلوم أن الكواكب أبراج ومن أخبار علم الأبراج أن ثمت صلة
![التفسير الصوفي الفلسفي للقرآن الكريم [ ج ٢ ] التفسير الصوفي الفلسفي للقرآن الكريم](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4154_altafsir-alsufi-alfalsafi-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
