أن الفكر الإنساني الذي سبق أن قلنا إنه شعاع الفكر الإلهي يبقى جزئيا محصورا في نطاق الزماكان ، والزمان والمكان يحكمان فلا سبيل إلى الحكم على المستقبل إلا من قبل الله لا الإنسان ... ذلك لأن مقولتي الزمان والمكان مع مقولة صراع الأضداد داخلة في الجبر والقهر الإلهيين ، فالله يعلم ما وقع ، ويعلم ما سيقع باعتبار الأحداث الوجودية نشرا لما هو مطوي أولا ولأن القهر الإلهي هو الحاكم أولا وآخرا ... وعليه فالإنسان كفرد جزئي لا يستطيع أن يقول لشيء إني فاعل ذلك غدا ، لأن الغد من شأن الله وسبحانه كل يوم هو في شأن ، إن شاء حقق ما شاء ، وإن لم يشأ حاجز بين الإنسان وتحقيق مشيئته.
٢٥ ـ (وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعاً (٢٥))
[الكهف : ٢٥]
ذهب ابن عربي في تفسيره لثلاث مائة سنين وازدادوا تسعا مذهبا في كتابه «تفسير القرآن» ، وقيل إن مؤلف هذا الكتاب القاشاني ، وجاء فيه : أن الثلاث مائة هي غير السنين إذ ثمة فاصل بينهما ، لأنه لو لم يكن ثم فاصل لكان سبحانه قال ثلاث مائة سنة لا سنين ... ثم أول الثلاث مائة على أساس أنها شهور لا أعوام ، وأنها شهور قمرية لا شمسية ، وخرج من تأويله بنتيجة مفادها أن زمن الكشف هو مثل ميقات ظهور النبوة وهو يقارب الأربعين سنة ، وهو حاصل الثلاث مائة شهر قمري بالإضافة إلى السنين التسع ، وما دمنا قلنا : إن البدن هو الكهف ، وإن الوجود كله كهف كبير ، فالنتيجة أنه ليس في الكهف إلا الله ، والكهف نفسه هو هذه الظهورات من الجماد والنبات والحيوان وأخيرا الإنسان ... أما ظهور النبوة وظهور الولاية فهو ظهور الله من الكهف ، ولهذا قيل في ابن عربي : إن الله ظهر فيه باعتباره الوجود المطلق وباعتبار ابن عربي الوجود المقيد ، وقال أبو الفضل القرشي في المسيح عليهالسلام : يمكن أن يكون المراد أن اللاهوت ظهر في المسيح وهذا لا يستلزم الكفر ، وأنه لا إله إلا الله.
٢٦ ـ (قُلِ اللهُ أَعْلَمُ بِما لَبِثُوا لَهُ غَيْبُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ ما لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَداً (٢٦))
[الكهف : ٢٦]
قوله سبحانه : (أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ ما لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍ) موجه إلى النبي صلىاللهعليهوسلم ، وهو صيغة تعجب بمعنى ما أعظم سمع الله ، وما أبصره باعتبار أن النبي قد قرب نجيا ، وكلم تكليما ، وكشف عن عينيه الغطاء فصار بصره حديدا ، وكانت نتيجة هذا الكشف أن النبي صار عارفا بالله ومحدّثا ، بل إنه صار ناسوتا حوى اللاهوت فصار لسان اللاهوت الناطق ، وحاز من ثم مرتبة الحديث القدسي أي الإلهي ، أي صار الله هو المتكلم بلسانه ، ولهذا قال النبي صلىاللهعليهوسلم في الحديث القدسي : (ما يزال العبد يتقرب إلى بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته صرت
![التفسير الصوفي الفلسفي للقرآن الكريم [ ج ١ ] التفسير الصوفي الفلسفي للقرآن الكريم](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4153_altafsir-alsufi-alfalsafi-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
