والإلحاد أي أصحاب الطبيعة ، هذا الخيط الرفيع ، فالمؤمنون ، ومنهم كانط ، قالوا : إن المعقول سابق وأصيل وكلي ، وقال ابن عربي : المعقول هو الوجود الحقيقي ، والمحسوس وهم وعلا ابن عربي فلك أفلاطون الذي قال بعالم المثل ، أي المعقولات ، إذ قال ابن عربي إن هذه المعقولات متعلقة أيضا بالجانب الأحدي من الذات ، فلا وجود لها بأنفسها ، بل بالذات الصرفة.
وعلى هذا فالبصر هنا يرى بمنظار البصيرة أي الصفة ، وقال كانط : لا سبيل إلى معرفة الوجود على حقيقته ، والإنسان محكوم بألا يرى إلا من خلال نظارة موضوعة مسبقا على عينيه ، فإذا كانت النظارة خضراء رأى العالم أخضر ، وإذا كانت سوداء رآه أسود.
وصاحب هذه النظارة هو الله ، وهذا هو معنى تقليب الأبصار ، ووفق هذه النظرة فإن الرائي يرى اللبن أبيض ، علما أنه ما من دليل موضوعي خارجي على صحة هذه النظرة الذاتية يثبت أن اللبن أبيض حقا ، والمثل الذي يمكن ضربه هنا تحليل ماهية الضوء الذي يكون أبيض ، فإذا حلل بوسيلة كما هو معروف صار البياض سبعة ألوان مجموعها يؤلف البياض.
١١١ ـ (وَلَوْ أَنَّنا نَزَّلْنا إِلَيْهِمُ الْمَلائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتى وَحَشَرْنا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلاً ما كانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلاَّ أَنْ يَشاءَ اللهُ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ (١١١))
[الأنعام : ١١١]
الآية تتمة للآية السابقة ، إذ تابعت الحديث عن علاقة الإيمان بالمشيئة الإلهية ، فإذا عدنا إلى النظارة القدرية التي تحكم البصر بالكيف قلنا إن النظارة الخضراء التي ترى العالم أخضر هي تحقيق مشيئة إلهية ، وكذلك ألوان بقية النظارات ، ومجموع الألوان هو مجموع الألوان السبعة للضوء الأبيض ، والتي إن أدير قرص يحويها جميعا بسرعة ، عادت بيضاء أو بدت بيضاء ، والبياض صفة النور ، والنور نور السماوات والأرض ، فالكيف مهما اتخذ من لون أصله النور الأبيض ، ومرجعه النور الأبيض ، وعلى هذا فسر قول القائلين : ليس في الوجود إلا الله.
١١٢ ـ (وَكَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَياطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ ما فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَما يَفْتَرُونَ (١١٢))
[الأنعام : ١١٢]
ليس النبي نبيا إن لم يجعل الله له عدوا ، فكيف يحتل النبي مكانته من غير مدد يظهر هذه المكانة؟ فالحكمة اقتضت خلق العدو لتظهر النبوة ، والنبوة صفة بل هي الصفات الإلهية الجامعة التي أصلها وحقيقتها الإنسان الكامل والإنسان الكبير والروح الكلي والحقيقة المحمدية.
![التفسير الصوفي الفلسفي للقرآن الكريم [ ج ١ ] التفسير الصوفي الفلسفي للقرآن الكريم](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4153_altafsir-alsufi-alfalsafi-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
