فهرب قصير على تلك الحالة إلى الزبّاء على أنّه مغاضب لعمرو وأنّه فعل بي ما ترين فصدقت به ، ورقت له وأنعمت عليه وقرَّبته ، وصار من أخصّائها ، وكان يأخذ مالها ويتجر به ، ويضيف إليه أضعافاً من عنده ، ويظهر أنّه من مال التجارة.
وما زال يدبِّر الأمر حَتَّى احتال عليها ، وأدخل إلى قصرها أربعة آلاف رجل بالسلاح ، وجعلهم في صناديق وأقفلها من الداخل ، وحملهم على الإبل ، فلمَّا شاهدت الزبّاء ثقل تلك الأجمال ارتابت منها ، وقالت :
|
ما للجمال مشيها وئيدا |
|
أجنْدلاً يحملْن أَمْ حديدا |
|
أَم صرفاناً بارداً شديدا |
|
أم الرجال جُثَّماً قُعُودا (١) |
فلمّا دخلت الإبل إلى حصن الزبّاء خرجت الرجال من الصناديق ، وأخذت المدينة عنوة ، فخرجت الزبّاء هاربة من قصرها إلى السرب الَّذي اتخذته تحت الفرات إلى حصن اُختها في الجانب الآخر ، وكان قصير قَدْ وقف على طريق السرب ، فأبصرت قصيراً ومعه عمرو وبيده السيف ، فمصّت خاتماً كان في يدها فيه سمّ ساعة ، وقالت : (بيدي لا بيد عمرو) فذهب مثلاً.
وخُرِّبت المدينة ، وسبيت الذراري، وأخذ عمرو بثأر خاله جَذِيمة ، وطال ملكه إلى أن بلغ مائة سنة ، ثُمَّ ملك بعده ابنه امرؤ القيس ، وهذه خلاصة القصة (١).
__________________
(١) الوئيد : السكون والرزانة والتأني والمشي بثقل. (مجمع البحرين ٤ : ٤٥٨) ، الجندل : الحجارة والمكان الغليظ (العين ٦ : ٢٠٦) ، الصرفان : جنس من تمر (معجم مقاييس اللُّغة ٣ : ٣٤٣) ، الجاثم : اللازم لمكانه لا يبرح كاللابد (لسان العرب ١٢ : ٨٣).
![تحفة العالم في شرح خطبة المعالم [ ج ١ ] تحفة العالم في شرح خطبة المعالم](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4144_tuhfat-alalem-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
