وقوله تعالى : (وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَناتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ ؛) أي وكذبوا بنسبة البنين والبنات إلى الله تعالى ، فإنّ مشركي العرب قالوا : الملائكة بنات الله ، والنصارى قالوا : المسيح بن الله ، واليهود قالوا : عزير بن الله. وكذبوا كلّهم لعنة الله عليهم ، يقال : خرق ؛ واخترق ؛ واختلق ؛ وافترى : إذا كذب.
وقرأ أهل المدينة : (وخرّقوا) بالتشديد على التكثير. وقوله تعالى : (بِغَيْرِ عِلْمٍ) أي بجهلهم بلا حجّة ؛ (سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يَصِفُونَ) (١٠٠) ؛ كلمة تنزيه وتبعيد لله تعالى عن كلّ سوء ؛ أي سبحوه أيّها المؤمنون عمّا يقول عليه الجاهلون. وقوله تعالى : (تَعالى) علوّا من العلوّ ؛ أي استعلى عمّا وصفوه به. ويجوز في صفات الله تعالى : (علا) ولا يجوز : ارتفع ؛ لأن العلوّ قد يكون بالاقتدار ؛ والارتفاع يقتضي الجهة والمكان.
قوله عزوجل : (بَدِيعُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ؛) أي مبتدع السّموات والأرض ومنشؤهما ابتداء على غير مثال سبق. وقوله تعالى : (أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صاحِبَةٌ ؛) أي من أين يكون له ولد ؛ وكيف يكون له ولد ولم تكن له زوجة ، ولا يكون الولد إلا من زوجة.
وقوله تعالى : (وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ ؛) نفي للزوجة والولد ؛ أي كيف يكون له ولد وصاحبة وقد خلق الأشياء كلّها ، (وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) (١٠١) ؛ من خلق العباد ومصالحهم ؛ وجهل الكفّار وعنادهم.
قوله تعالى : (ذلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمْ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ ؛) معناه : إنّ الذي خلق الأشياء كلّها وعملها وأشركتم به هو الله تعالى ربّكم لا إله غيره خالق كلّ شيء من الخلق فأطيعوه ووحّدوه ولا تشركوا بينه وبين غيره في العبادة ؛ (وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ) (١٠٢) ؛ أي حافظ.
قوله تعالى : (لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ ؛) أي لا تدرك الأبصار كنهه ؛ (وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ ؛) أي يعلم كنهها وماهيّتها ؛ فإنه لا أحد يعلم أنّ الإنسان لم صار يبصر من عينيه ولا يبصر بغيرهما ؛ وما الشيء الذي يصير به الإنسان مبصرا ؛
![التفسير الكبير [ ج ٣ ] التفسير الكبير](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4137_altafsir-alkabir-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
