وكانوا على ذلك حتّى قدم صلىاللهعليهوسلم المدينة فأخبر بأمرهم ، فقال صلىاللهعليهوسلم : [وأنا لا أحلّهم حتّى أؤمر بهم] فنزلت هذه الآية فعرف النّبيّ صلىاللهعليهوسلم أنّ (عسى) من الله واجبة ، وأمر بحلّهم وانطلقوا إليه ، وقالوا : هذه أموالنا الّتي خلّفتنا عنك ، فخذها فتصدّق بها عنّا ، فقال صلىاللهعليهوسلم : [ما أمرت فيها بشيء](١) فأنزل الله تعالى :
قوله تعالى : (خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِها ؛) ظاهر الآية يقتضي رجوع الكناية في قوله : (خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ) أي المذكورين ، وقيل : وهم الذين اعترفوا بذنوبهم ، إلّا أنّ كلّ حكم حكم الله ورسوله في شخص من عباده ، فذلك الحكم لازم في سائر الأشخاص ، إلّا ما قام دليل التخصيص به.
وقيل : قوله تعالى : (خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً) ابتداء ذكر لجميع المسلمين لدلالة الحال على ذلك وإن لم يتقدّم ذكر المسلمين كقوله تعالى : (إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ)(٢) يعني القرآن. ومعنى الآية : تطهّرهم عن الذنوب وتزكّيهم بها ؛ أي تصلح أعمالهم. وقيل : معناه : تطهّرهم أنت بها من دنس الذّنوب.
قوله تعالى : (وَصَلِّ عَلَيْهِمْ ؛) أي استغفر لهم وادع لهم ، (إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ ؛) أي إنّ دعاءك واستغفارك طمأنينة ، (لَهُمْ ؛) في أنّ الله يقبّل توبتهم ، (وَاللهُ سَمِيعٌ ؛) بمقالتهم ، (عَلِيمٌ) (١٠٣) ؛ بنيّاتهم وثوابهم.
قوله تعالى : (أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقاتِ ؛) استفهام بمعنى التّنبيه ، وقبول التوبة إيجاب الثواب عليها ، وقوله تعالى (وَيَأْخُذُ الصَّدَقاتِ) أراد به أخذ النبيّ صلىاللهعليهوسلم والأئمّة بعده ؛ لأن أخذهم لا يكون إلّا بأمر الله ، وكأنّ الله هو الآخذ ، (وَأَنَّ اللهَ هُوَ التَّوَّابُ ؛) أي المتجاوز عن من تاب ، (الرَّحِيمُ) (١٠٤) ؛ عن من مات على التوبة.
قوله تعالى : (وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ ؛) أي اعملوا عمل من يعلم أنّ الله يرى عمله ويتجاوز به ، ظاهر المعنى. قوله تعالى :
__________________
(١) أخرجه الطبري في جامع البيان : الحديث (١٣٣٢١).
(٢) القدر / ١.
![التفسير الكبير [ ج ٣ ] التفسير الكبير](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4137_altafsir-alkabir-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
