بدنة ـ حتّى بلغ ذا الحليفة فقلّد البدن وأشعرها وأحرم بالعمرة ونزل الحديبيّة ومنعه المشركون وكان الصلح. فلمّا تمّ الصلح ، نحروا البدن. فذلك قوله : (مَعْكُوفاً) ؛ أي : محبوسا عن (أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ) ؛ أي : منحره. لأنّ هدي العمرة لا يذبح إلّا بمكّة كما أنّ هدي الحجّ لا يذبح إلّا بمنى. (رِجالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِساءٌ). يعني المستضعفين الذين كانوا بمكّة بين الكفّار من أهل الإيمان. (لَمْ تَعْلَمُوهُمْ) بأعيانهم لاختلاطهم بغيرهم. (أَنْ تَطَؤُهُمْ) بالقتل وتوقعوا بهم. (مَعَرَّةٌ) ؛ أي : إثم وجناية. أو : عيب يعيبكم المشركون بأنّهم قتلوا أهل دينهم. وقيل : هو غرم الدية والكفّارة في قتل الخطأ. وذلك أنّهم لو كبسوا مكّة وفيها قوم مؤمنون لم يتميّزوا من الكفّار ، لم يأمنوا أن يقتلوا المؤمنين فتلزمهم الكفّارة وتلحقهم السيّئة بقتل من على دينهم. فهذه المعرّة التي صان الله المؤمنين عنها. وجواب لو لا محذوف. تقديره : لو لا المؤمنون الذين لم تعلموهم ، لوطأتم رقاب المشركين بنصرنا إيّاكم. (فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشاءُ). يعني من أسلم من الكفّار بعد الصلح. (لَوْ تَزَيَّلُوا) ؛ أي : لو تميّز الكافرون من المؤمنين ، (لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا) من أهل مكّة (عَذاباً أَلِيماً) بالسيف والقتل بأيديكم ، ولكنّ الله يدفع بالمؤمنين عن الكفّار فلحرمة اختلاطهم بهم لم يعذّبهم. (١)
ثمّ أخبر عزوجل بعلّة الصلح بقوله : (وَلَوْ لا رِجالٌ مُؤْمِنُونَ) ـ الآية. يعني بمكّة. ولو لا الصلح وكان الحرب ، لقتلوا. ويقال : إنّ ذلك الصلح [كان] أعظم فتحا على المسلمين من غلبهم. قيل لأبي عبد الله عليهالسلام : ألم يكن عليّ عليهالسلام قويّا في بدنه قويّا في أمر الله؟ فقال : بلى. قال : فما منعه أن يدفع أو يمنع؟ قال : منعه آية من كتاب الله ؛ وهي : (لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا) ـ الآية. إنّه كان لله عزوجل ودائع مؤمنون في أصلاب قوم كافرين ومنافقين. ولم يكن عليّ عليهالسلام ليقتل الآباء حتّى يخرج الودائع. فلمّا خرجت ، ظهر على من ظهر وقتله. وكذلك قائمنا أهل البيت لن يظهر أبدا حتّى تخرج ودائع الله. فإذا خرجت ، يظهر على من يظهر فيقتله. (٢)
__________________
(١) مجمع البيان ٩ / ١٨٧.
(٢) تفسير القمّي ٢ / ٣١٦ ـ ٣١٧.
![عقود المرجان في تفسير القرآن [ ج ٤ ] عقود المرجان في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4134_uqud-almarjan-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
