مكّة وتفرّقوا. وكان الرجل إذا رأى شجرة حسنة أو حجرا حسنا هواه فعبده. وكانوا ينحرون لها ويطلخونها بالدم وتسمّونها سعد صخرة. وكان إذا أصابهم داء في الإبل والأغنام ، جاؤوا إلى الصخرة يتمسّحون بها الإبل والغنم. فجاء رجل من العرب بإبل له يريد أن يتمسّح بالصخرة لإبله ويبارك عليها [فنفرت إبله] وتفرّقت. فقال :
|
أتيت إلى سعد ليجمع شملنا |
|
وشتّتنا سعد فما نحن من سعد |
|
وما سعد إلّا صخرة مستوية |
|
من الأرض لا تهدي لغيّ ولا رشد |
ورأى رجل الثعلب يبول على سعده فقال :
|
وربّ يبول الثعلبان برأسه |
|
لقد ذلّ من بالت عليه الثعالب (١) |
(هَواهُ) ؛ أي : ما يهواه. وكان الرجل من المشركين يعبد الحجر والصنم ، فإذا رأى أحسن منه ، رمى به وأخذ يعبد الآخر. أو معناه : انّه أطاع هواه وبنى عليه دينه لا يسمع حجّة ولا يتبصّر دليلا. (أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلاً) : حفيظا تمنعه عن الشرك والمعاصي وحاله هذا. والاستفهام الأوّل للتقرير والتعجّب. والثاني للإنكار. (٢)
[٤٤] (أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلاَّ كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً (٤٤))
(أَمْ تَحْسَبُ) ؛ أي : بل أتحسب (أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ) ما تقوله سماع طلب للإفهام (أَوْ يَعْقِلُونَ) ما تقرؤه عليهم وما يعاينون من المعجزات والدلائل حتّى تهتمّ بشأنهم وتطمع في إيمانهم. وتخصيص الأكثر لأنّه كان منهم من آمن ومنهم من عقل الحقّ وكابر استكبارا وخوفا على الرئاسة. (إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعامِ) ؛ أي : ما هم إلّا كالبهائم التي تسمع النداء ولا تعقل ، (بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً) منها. لأنّها تنقاد لمن يتعهّدها وتميز من يحسن إليها ممّن يسيء إليها وتطلب ما ينفعها وتتجنّب ما يضرّها ، وهؤلاء لا ينقادون لربّهم ولا يعرفون إحسانه من
__________________
(١) تفسير القمّيّ ٢ / ١١٤.
(٢) تفسير البيضاويّ ٢ / ١٤٢ ، مجمع البيان ٧ / ٢٦٩.
![عقود المرجان في تفسير القرآن [ ج ٣ ] عقود المرجان في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4133_uqud-almarjan-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
