ألا ترى أنّك لو قلت : أتيت أهل قرية كذا ، إنّما تعني : وصلت إليهم ، فلا خصوصيّة لبعضهم دون بعض. والاستطعام في العادة إنّما يكون لمن يلي النازل ، منهم وهو بعضهم ، فوجب أن يقال : (اسْتَطْعَما أَهْلَها) لئلّا يفهم أنّهما استطعما جميع الأهل وليس كذلك. وأمّا قاضي القضاة فقال : إنّ الأهل الثاني عين الأوّل. لأنّ الغالب أنّ من أتى قرية لا جملة أهلها دفعة بل نظره أوّلا على بعضهم ثمّ يستقريهم. فلعلّ هذين العبدين الصالحين لمّا أتاهما قدر الله لهما لما يظهر من حسن صنيعه استقريا جميع أهلها على التدريج ليظهر به كمال رحمته بعباده. ولو أعاد الضمير ، تعيّن أن يكون المراد الأوّلين لا غير. فأتى بالظاهر إشعارا بتأكيد العموم فيه وأنّهما لم يتركا أحدا من أهلها حتّى استطعماه فأبى ومع ذلك فأبلاهم بأحسن الجزاء.
الثالث : قال أبو البقاء : وإنّما أعاد ذكر الأهل توكيدا لدفع توهّم التجوّز في أهل قرية أن يكون المراد به من كان فيها من غير أهلها بسبب مجاورتهم للأهل وكونهم معهم في القرية أو هم وغيرهم باعتبار التغليب.
الرابع : ما قاله شيخنا في الدرّ المنثور وهو أنّه لمّا تقدّم منهما عليهماالسلام فعلان في مكانين أحدهما ركوب السفينة والثاني لقاء الغلام وقتله ، فكّأنّه سئل وقيل : ما فعلا في هذه القرية؟ فقيل : استطعما أهلها. فيكون استئنافا يحسن فيه الإتيان بالظاهر وبناء ما بعده عليه. وأجود الوجوه هو الأوّل.
(أَهْلَ قَرْيَةٍ). هي أنطاكية. عن ابن عبّاس. وقيل : أبلة بصرة وهي أبعد أرض من السماء. وقيل : قرية على ساحل البحر اسمها ناصرة وبها سمّيت النصارى. وهو المرويّ عن أبي عبد الله عليهالسلام. وقال عليهالسلام : لم يضيّفوهما ولا يضيّفون بعدهما أحدا إلى أن تقوم الساعة. (١)
(فَأَقامَهُ). دفعه فاستقام. (لَاتَّخَذْتَ). ابن كثير وأهل البصرة : (لَاتَّخَذْتَ) بكسر الخاء مخفّفة. وابن كثير يظهر منه الذال. والباقون : (لَاتَّخَذْتَ) وعاصم يظهر الذال والآخرون يدغمون. (قالَ لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ). معناه : لمّا بخلوا عليهما بالطعام وأقام الخضر جدارهم
__________________
(١) مجمع البيان ٦ / ٧٥١ ، والكشّاف ٢ / ٧٣٧ ، وتفسير البيضاويّ ٢ / ١٩.
![عقود المرجان في تفسير القرآن [ ج ٣ ] عقود المرجان في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4133_uqud-almarjan-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
