زمان ، فذلك الزمان منقسم لا محالة آنات متعاقبة فهل حصل شيء من ذلك الإيجاد في الآن الأول أو لم يحصل فإن لم يحصل منه شيء في الآن الأول فهو خارج عن مدة الإيجاد وإن حصل في ذلك شيء وحصل في الآن الثاني إيجاد شيء آخر فهما إن كانا جزءين من ذلك الجزء الذي لا يتجزأ ، فحينئذ يكون الجزء الذي لا يتجزأ متجزئا ، وهو محال وإن كان شيئا آخر فحينئذ يكون إيجاد الجزء الذي يتجزأ لا يمكن الا في آن واحد دفعة واحدة ، وكذا القول في إيجاد جميع الأجزاء فثبت أنه تعالى قادر على ايجاد جميع العالم دفعة واحدة ، ولا شك أيضا أنه تعالى قادر على إيجاده وتكوينه على التدريج ، وبيان ذلك قوله تعالى : (وَكانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ) [هود : الآية ٧]. ثم صار هذا الماء دخانا لقوله تعالى : (ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ وَهِيَ دُخانٌ) [فصّلت : الآية ١١]. ثم صار الدخان ما لقوله تعالى : (أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِها فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَداً رابِياً وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ) [الرّعد : الآية ١٧]. وقوله تعالى : (وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها (٣٠)) [النّازعات : الآية ٣٠]. وقوله : (وَالْأَرْضِ وَما طَحاها (٦)) [الشّمس : الآية ٦]. فهذه الأزمنة الستة التي ذكرها الله تعالى بالأيام الستة ، وإذا ثبت هذا فنقول هاهنا مذهبان :
(الأول) : قول أصحابنا : وهو أنه يحسن منه كل ما أراد ولا يعلل شيء من أفعاله بشيء من الحكمة والمصالح ، وعلى هذا القول يسقط قول من يقول لم خلق العالم في ستة أيام وما خلقه في لحظة واحدة ؛ لأنا نقول كل شيء صنعه ولا علة لصنعه فلا يعلل شيء من أحكامه ولا شيء من أفعاله بعلة فسقط هذا السؤال.
(الثاني) : قول المعتزلة وهو أنهم يقولون يجب أن تكون أفعاله تعالى مشتملة على المصلحة ، والحكمة فعند هذا قال القاضي : لا يبعد أن يكون خلق الله تعالى السماوات والارض في هذه المدة المخصوصة أدخل في الاعتبار في حق بعض المكلفين ، ثم قال القاضي : فإن قيل : فمن المعتبر وما وجه الاعتبار؟ أجاب وقال : أما المعتبر فهو أنه لا بد من مكلف أو غير مكلف من الحيوان خلقه الله تعالى قبل خلقه للسماوات والأرضين أو معهما وإلا لكان خلقهما عبثا ، فإن قيل : فهلا جاز أن يخلقهما لأجل حيوان يخلقه من بعد قلنا : إنه تعالى لا يخاف الفوت فلا يجوز أن يقدم خلق ما لا ينتفع به أحد لأجل حيوان سيحدث بعد ذلك ، وإنما يصح منا ذلك في مقدمات الأمور ؛ لأنا نخشى الفوت ونخاف العجز والقصور ، قال : وإذا ثبت هذا فقد صح ما روي في الخبر أن خلق الملائكة كان سابقا على خلق السماوات والأرض ، فإن قيل : أولئك الملائكة لا بد لهم من مكان. فقبل خلق السماوات لا مكان فكيف يمكن وجودهم بلا مكان قلنا : الذي يقدر على تسكين العرش والسماوات
![كشف الأسرار النورانيّة القرآنيّة [ ج ١ ] كشف الأسرار النورانيّة القرآنيّة](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4110_kashf-alasrar-alnoorania-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
