(المسألة التاسعة):
دلت الآية على أنه يحسن من الله تعالى أن يأمر عباده بما شاء كيف شاء بمجرد كونه خالقهم لا كما يقوله المعتزلة من كون ذلك الفعل صلا حاولا كما يقولونه أيضا من حيث العوض والثواب ؛ لأنه تعالى ذكر أن الخلق له أولا ثم ذكر الأمر بعده ؛ وذلك يدل على أن حسن الأمر معلل بكونه خالقهم موجدا لهم ، وإذا كانت العلة في حسن الأمر والتكليف هذا القدر سقط اعتبار الحسن والقبح والثواب والعقاب في اعتبار حسن الأمر والتكليف.
(المسألة العاشرة):
دلت هذه الآية على أنه تعالى متكلم آمر ناه مخير مستخير ، وكان من حق هذه تقدمها على سائر المسائل ، والدليل عليه قوله تعالى : (أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ) [الأعراف : الآية ٥٤]. فدل ذلك على أنه له الأمر ، وإذا ثبت هذا وجب أن يكون له النهي والخيرة والاستخيار ضرورة أنه لا قائل بالفرق.
(المسألة الحادية عشرة):
أنه تعالى بين كونه تعالى خالقا للسماوات والأرض ، والشمس ، والقمر ، والنجوم ، وعين لكل منها حيزه في الكرة ، ثم قال : (أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ.) أي لا خالق إلا هو ولقائل أن يقول لا يلزم من كونه تعالى خالقا لهذه الأشياء أن يقال لا خالق على الإطلاق إلا هو ، فلم رتب على إثبات كونه خالقا لتلك الاشياء إثبات أنه لا خالق إلا هو على الإطلاق فنقول : الحق أنه متى ثبت كونه تعالى خالقا لبعض الاشياء وجب كونه خالقا لكل الممكنات ، وتقريره أن افتقار المخلوق إلى الخالق لإمكانه والإمكان : مفهوم واحد في كل الممكنات ، وهذا الإمكان إما أن يكون علة للحاجة إلى مؤثر متعين ، أو إلى مؤثر غير متعين والثاني باطل لأن كل ما كان موجودا في الخارج فهو متعين في نفسه فيلزم منه أن ما لا يكون متعينا في نفسه لم يكن موجودا في الخارج وما لا وجود له في الخارج ، فثبت أن الإمكان علة للحاجة إلى موجد معين ، فوجب أن يكون جميع الممكنات محتاجا إلى ذلك المعين ، فثبت أن الذي يكون مؤثرا في وجود شيء واحد هو المؤثر في وجود كل الممكنات ، أما قوله تعالى : (تَبارَكَ اللهُ رَبُّ الْعالَمِينَ) [الأعراف : الآية ٥٤]. فاعلم أنه سبحانه لما بين كونه خالقا لجميع الأجرام ، وعين حيزها وبين لها خطوط دوائرها وبين كون الكل مسخرا في قدرته وقهره ومشيئته وبين أنه له الحكم والأمر والنهي والتكليف ، وبين أنه يستحق الثناء والتقديس والتنزيه فقال : (تَبارَكَ اللهُ رَبُّ الْعالَمِينَ.) جمع عالم ، والعالم كل موجود سوى الله تعالى فبين كونه ربّا وإلها ،
![كشف الأسرار النورانيّة القرآنيّة [ ج ١ ] كشف الأسرار النورانيّة القرآنيّة](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4110_kashf-alasrar-alnoorania-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
