(الفريق الثاني) : قالوا : النفس إذا تعلقت بالبدن اتحدت به ؛ فصارت النفس عين ، البدن والبدن عين النفس ومجموعهما عند الاتحاد هو الحيوان ، فإذا جاء وقت الموت بطل هذا الاتحاد وبقيت النفس وفسد البدن. فهذه جملة مذاهب الناس في الحيوان ، وكان ثابت ابن قرة يثبت النفس ، ويقول : إنها متعلقة بأجسام سماوية نورانية لطيفة غير قابلة للتكون والفساد ، والتفرق والتمزق ، وأن تلك الأجسام تكون سماوية في البدن وما دام ذلك السريان باقيا بقيت النفس مدبرة للبدن ، فإذا انفصلت تلك الأجسام اللطيفة عن جوهر البدن ، انقطع تعلق النفس عن البدن.
«المسألة الثالثة» :
في ذكر سائر الأقوال المقولة في نفس الروح المذكورة ٠ في هذه الآية.
(اعلم) أن الناس ذكروا أقوالا أخر سوى ما تقدّم ذكره ، فالقول الأوّل أنّ المراد من هذا الروح هو القرآن ، قالوا : وذلك لأن الله تعالى سمى القرآن في كثير من الآيات روحا ، واللائق بالروح المسؤول عنه في هذا الموضع ليس إلا القرآن. فلا بد من تقرير مقامين : أما بيان المقام الأول : فتسمية الله تعالى القرآن بالروح يدل عليه قوله تعالى : (وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنا) [الشّورى : الآية ٥٢]. وقوله : (يُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ) [النّحل : الآية ٢]. وأيضا السبب في تسمية القرآن بالروح أن القرآن لا تحصل حياة الأرواح والعقول إلا به ، وبه تحصل معرفة الله تعالى ومعرفة ملائكته ومعرفة كتبه ورسله ، والأرواح إنما تحيا بهذه المعارف. وأما بيان المقام الثاني : فهو أن الروح اللائق بهذا الموضع القرآن ؛ لأنه تقدم قوله : (وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ ما هُوَ شِفاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ) [الإسراء : الآية ٨٢]. والذي تأخر عنه قوله : (وَلَئِنْ شِئْنا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ) [الإسراء : الآية ٨٦]. إلى قوله : (قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً) (٨٨) [الإسراء : الآية ٨٨]. أي معينا ، فلما كان ما قبل هذه الآية في وصف القرآن وما بعدها كذلك ، وجب أيضا أن يكون المراد من هذا الروح القرآن ، حتى تكون آيات القرآن كلها متناسبة متناسقة ، وذلك لأن القوم استعظموا أمر القرآن فسألوا : أهو من جنس الشعر أو من جنس الكهانة؟ فأجابهم الله تعالى بأنه ليس من جنس كلام البشر ، وإنما هو كلام ظهر بأمر الله ووحيه وتنزيله ، فقال : (قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي) [الإسراء : الآية ٨٥]. أي القرآن إنما ظهر بأمر ربي ، وليس من جنس كلام البشر. القول الثاني : إن الروح المسؤول عنه في هذه الآية جبريل. وهو قول الحسن وقتادة ، والدليل عليه أنه تعالى سمى جبريل بالروح في قوله : (نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلى قَلْبِكَ) [الشعراء : الآيتان ١٩٣ ، ١٩٤]. وفي قوله:
![كشف الأسرار النورانيّة القرآنيّة [ ج ١ ] كشف الأسرار النورانيّة القرآنيّة](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4110_kashf-alasrar-alnoorania-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
