السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ وَحِفْظاً) [فصّلت : الآية ١٢]. المعنى وحفظناها حفظا قال الزجاج : نصب قوله وزينة على أنه مفعول له والمعنى وخلقها للزينة.
(المسألة الثانية) : احتج القائلون بتحريم لحوم الخيل بهذه الآية فقالوا : منفعة الأكل أعظم من منفعة الركوب فلو كان أكل لحم الخيل جائز لكان هذه المعنى أولى بالذكر وحيث لم يذكره الله تعالى علمنا أنه يحرم أكله ، ويمكن أيضا أن يقوى هذا الاستدلال الأول من وجه آخر فيقال : إنه تعالى قال في صفة الأنعام ، ومنها تأكلون ، وهذه الكلمة للحصر فيقتضي أن لا يجوز الأكل من غير الأنعام ، فوجب أن يحرم أكل لحم الخيل بمقتضى هذا الحصر ، ثم إنه تعالى بعد هذا الكلام ذكر الخيل والبغل والحمير ، وذكر أنها مخلوقة للركوب ، فهذا يقتضي أن منفعة الأكل مخصوصة بالأنعام ، وغير حاصلة في هذه الأشياء ، ويمكن الاستدلال بهذه الآية من وجه ثالث ، وهو أن قوله : (لِتَرْكَبُوها) [النّحل : الآية ٨]. يقتضي أن تمام المقصود من خلق هذه الأشياء الثلاثة هو الركوب والزينة ، ولو حل أكلها لما كان تمام المقصود من خلقها هو الركوب ، بل حل أكلها أيضا مقصودا وحينئذ يخرج جواز ركوبها عن أن يكون تمام المقصود بل يصير بعض المقصود (وأجاب الواحدي) بجواب في غاية الحسن فقال : لو دلت هذه الآية على تحريم أكل هذه الحيوانات لكان تحريم أكلها معلوما في مكة لأجل أن هذه السورة مكية ، ولو كان الأمر كذلك لكان قول عامة المفسرين والمحدثين : أن لحوم الحمر الأهلية حرمت عام خيبر باطلا ؛ لأن التحريم لما كان حاصلا قبل هذا اليوم لم يبق لتخصيص هذا التحريم لهذه الشبهة فائدة وهذا الجواب حسن متين.
(المسألة الثالثة) : القائلون : بأن أفعال الله معللة بالمصالح والحكم احتجوا بظاهر هذه الآية ، فإنه يقتضي أن هذه الحيوانات مخلوقة لأجل المنفعة الفلانية ونظيره قوله : (كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ) [إبراهيم : الآية ١]. وقوله : (وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) (٥٦) [الذّاريات : الآية ٥٦]. والكلام فيه معلوم.
(المسألة الرابعة) : لقائل أن يقول : لما كان معنى الآية أنه تعالى خلق الخيل والبغل والحمير لتركبوها ، وليجعلها زينة لكم ، فلم ترك هذه العبارة؟ وجوابه أنه تعالى لو ذكر هذا الكلام بهذه العبارة صار المعنى أن التزين بها أحد الأمور المعتبرة في المقصود ، وذلك غير جائز ؛ لأن التزين بالشيء يورث العجب والتيه والتكبر ، وهذه أخلاق مذمومة ، والله تعالى نهى عنها وزجر ، فكيف يقول : إني خلقت هذه الحيوانات لتحصل هذه المعاني بل قال : خلقها لتركبوها ، فتدفعوا عن أنفسكم بواسطتها ضرر الأعباء والمشقة ، وأما التزين بها فهو
![كشف الأسرار النورانيّة القرآنيّة [ ج ١ ] كشف الأسرار النورانيّة القرآنيّة](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4110_kashf-alasrar-alnoorania-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
