وامرأة واحدة ، وإن قلنا إن المراد هو الثاني فذلك إشارة إلى أن الجنس واحد ، وإن كل واحد خلق كما خلق الآخر من أب وأم ، والتفاوت في الجنس دون التفاوت في الجنسين ، فإن من سن التفاوت أن لا يكون تقدير التفاوت بين الذباب ، والذئاب لكن التفاوت إلى بين الناس بالكفر والإيمان كالتفاوت الذي بين الجنسين ؛ لأن الكافر جماد إذ هو كالأنعام بل أضل ، والمؤمن إنسان في المعنى الذي ينبغي أن يكون فيه ، والتفاوت في الإنسان تفاوت في الحس لا في الجنس كما قدمنا في التولعات إذ كلهم من ذكر وأنثى ، فلا يبقى لذلك عند هذا اعتبار ، وفيه مباحث :
«المبحث الأول» :
فإن قيل هذا مبني على عدم اعتبار النسب وليس كذلك فإن للنسب اعتبارا عظيما عرفا وشرعا حتى لا يجوز تزويج الشريفة بالنبطي ، فنقول : إذا جاء الأمر العظيم لا يبقى الأمر الحقير معتبرا ، وذلك في الحس والشرع والعرف ، أما الحس فلأن الكواكب لا ترى عند طلوع الشمس ، ولجناح الذباب دوي ولا يسمع عند ما يكون رعد قوي ، وأما العرف فلأن من جاء مع الملك لا يبقى له اعتبار ولا آلية ، إذا علمت هذا فيهما ، ففي الشرع كذلك إذا جاء الشرف الديني الإلهي : لا يبقى الأمر هناك اعتبار لا نسب ونشب ، ألا ترى أن الكافر وإن كان من أعلى الناس نسبا ، والمؤمن وإن كان من أدونهم نسبا لا يقاس أحدهما بالآخر وكذلك ما هو من الدين مع غيره ، ولهذا يصلح للمناصب الدينية كالقضاء والشهادة كل شريف ووضيع إذا كان دينا عالما صالحا ، ولا يصلح لشيء منها فاسق وإن كان قرشي النسب وقاروني النشب ، ولكن إذا اجتمع في اثنين الدين المتين وأحدهما نسيب ، ترجح بالنسب عند الناس لا عند الله تعالى ؛ لأن الله تعالى يقول : (وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا ما سَعى) (٣٩) [النّجم : الآية ٣٩]. وشرف النسب ليس مكتسبا ولا يحصل بسعي.
«المبحث الثاني» :
ما الحكمة من اختياره النسب من جملة أسباب التفاخر ولم يذكر المال؟
فنقول الأمور التي يفتخر بها في الدنيا وإن كانت كثيرة لكن النسب أعلاها ؛ لأن المال قد يحمل للفقر فيبطل افتخار المفتخر ، والحسن والسن وغير ذلك غير ثابت دائم والنسب ثابت دائم مستمر غير مقدور التحصيل لمن ليس له ذلك ، فاختاره الله تعالى للذكر ، وأبطل اعتباره بالنسبة إلى التقوى ليعلم منه بطلان غيره بالطريق الأولى.
![كشف الأسرار النورانيّة القرآنيّة [ ج ١ ] كشف الأسرار النورانيّة القرآنيّة](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4110_kashf-alasrar-alnoorania-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
