والسبب في كون الأعراب أشد كفرا ونفاقا بعدهم عن مجالسة العلماء وسماع القرآن والسنن والمواعظ وهو قوله سبحانه وتعالى (وَأَجْدَرُ) يعني وأخلق وأحرى (أَلَّا يَعْلَمُوا) يعني بأن لا يعلموا (حُدُودَ ما أَنْزَلَ اللهُ عَلى رَسُولِهِ) يعني الفرائض والسنن والأحكام (وَاللهُ عَلِيمٌ) يعني بما في قلوب عباده (حَكِيمٌ) فيما فرض من فرائضه وأحكامه (وَمِنَ الْأَعْرابِ مَنْ يَتَّخِذُ ما يُنْفِقُ مَغْرَماً) يعني لا يرجو على إنفاقه ثوابا ولا يخاف على إمساكه عقابا إنما ينفق خوفا أو رياء. والمغرم : التزام ما لا يلزم. والمعنى : أن من الأعراب من يعتقد أن الذي ينفقه في سبيل الله غرامة لأنه لا ينفق ذلك إلا خوفا من المسلمين أو مرآة لهم ولم يرد بذلك الإنفاق وجه الله وثوابه (وَيَتَرَبَّصُ) يعني : وينتظر (بِكُمُ الدَّوائِرَ) يعني بالدوائر تقلب الزمان وصروفه التي تأتي مرة بالخير ومرة بالشر. قال يمان بن رباب : يعني تقلب الزمان فيموت الرسول وتظهر المشركون (عَلَيْهِمْ دائِرَةُ السَّوْءِ) يعني : بل يتقلب عليهم الزمان ويدور السوء والبلاء والحزن بهم ولا يرون في محمد صلىاللهعليهوسلم وأصحابه ودينه إلا ما يسوءهم (وَاللهُ سَمِيعٌ) يعني لأقوالهم (عَلِيمٌ) يعني بما يخفون في ضمائرهم من النفاق والغش وإرادة السوء للمؤمنين نزلت هذه الآية في أعراب أسد وغطفان وتميم ثم استثنى الله عزوجل فقال تبارك وتعالى :
(وَمِنَ الْأَعْرابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَتَّخِذُ ما يُنْفِقُ قُرُباتٍ عِنْدَ اللهِ وَصَلَواتِ الرَّسُولِ أَلا إِنَّها قُرْبَةٌ لَهُمْ سَيُدْخِلُهُمُ اللهُ فِي رَحْمَتِهِ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٩٩) وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسانٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٠٠))
(وَمِنَ الْأَعْرابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ).
قال مجاهد : هم بنو مقرن من مزينة. وقال الكلبي : هم أسلم وغفار وجهينة (ق).
عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلىاللهعليهوسلم : «أرأيتم إن كان جهينة ومزينة وأسلم وغفار خيرا من بني تميم وبني أسد وبني عبد الله بن غطفان ومن بني عامر بن صعصعة فقال رجل : خابوا وخسروا. قال : نعم هم خير من بني تميم وبني أسد وبني عبد الله بن غطفان ومن بني عامر بن صعصعة».
وفي رواية «أن الأقرع بن حابس قال للنبي صلىاللهعليهوسلم : إنما تابعك سراق الحجيج من أسلم وغفار ومزينة وأحسبه قال وجهينة. فقال النبي صلىاللهعليهوسلم : أرأيت إن كان أسلم وغفار ومزينة وأحسبه قال : وجهينة خيرا من بني تميم وبني عامر وأسد وغطفان قال خابوا وخسروا قال نعم» (ق) عن أبي هريرة أن النبي صلىاللهعليهوسلم قال : «أسلم سالمها الله وغفار غفر الله لها» زاد مسلم في رواية له : أما إني لم أقلها لكن الله قالها (ق).
عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلىاللهعليهوسلم «قريش والأنصار وجهينة ومزينة وأسلم وأشجع وغفار موالي ليس لهم مولى دون الله ورسوله» وقوله سبحانه وتعالى : (وَيَتَّخِذُ ما يُنْفِقُ قُرُباتٍ عِنْدَ اللهِ) جمع قربة أي يطلب بما ينفق القربة إلى الله تعالى : (وَصَلَواتِ الرَّسُولِ) يعني ويرغبون في دعاء النبي صلىاللهعليهوسلم وذلك أن رسول الله صلىاللهعليهوسلم كان يدعو للمتصدقين بالخير والبركة ويستغفر لهم ومنه قوله صلىاللهعليهوسلم «اللهم صل على آل أبي أوفى» (أَلا إِنَّها قُرْبَةٌ لَهُمْ) يحتمل أن يعود الضمير في إنها إلى صلوات الرسول ويحتمل أن يعود إلى الإنفاق وكلاهما قربة لهم عند الله وهذه شهادة من الله تعالى للمؤمن المتصدق بصحة ما اعتقد من كون نفقته قربات عند الله وصلوات الرسول له مقبولة عند الله لأن الله سبحانه وتعالى أكد ذلك بحرف التنبيه وهو قوله تعالى ألا وبحرف التحقيق وهو قوله تعالى إنها قربة لهم (سَيُدْخِلُهُمُ اللهُ فِي رَحْمَتِهِ) وهذه النعمة هي أقصى مرادهم (إِنَّ اللهَ غَفُورٌ) للمؤمنين المنفقين في سبيله (رَحِيمٌ) يعني بهم حيث وفقهم لهذه الطاعة.
![تفسير الخازن [ ج ٢ ] تفسير الخازن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4083_tafsir-alkhazin-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
