عليك وشهادة الله إنما عرفت بسبب أنه أنزل هذا القرآن البالغ في الفصاحة والبلاغة إلى حيث عجز الأولون والآخرون عن معارضته ، والإيمان بمثله فكان ذلك معجزا وإظهار المعجزة شهادة يكون المدعي صادقا لا جرم قال الله تعالى لكن الله يشهد لك يا محمد بالنبوة بواسطة هذا القرآن الذي أنزله عليك (أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ) يعني أنه تعالى لما قال لكن الله يشهد بما أنزل إليك بين صفة ذلك الإنزال وهو أنه تعالى أنزله بعلم تام وحكمة بالغة وقيل معناه أنزله وهو عالم بأنك أهل لإنزاله عليك وأنك مبلغه إلى عباده وقيل معناه أنزله بما علم من مصالح عباده في إنزاله عليك (وَالْمَلائِكَةُ يَشْهَدُونَ) يعني يشهدون بأن الله أنزله عليك ويشهدون بتصديقك وإنما عرفت شهادة الملائكة لأن الله تعالى إذا شهد بشيء شهدت الملائكة بذلك الشيء. وقد ثبت أن الله يشهد بأنه أنزله بعلمه فلذلك الملائكة يشهدون بذلك (وَكَفى بِاللهِ شَهِيداً) يعني وحسبك يا محمد أن الله يشهد لك وكفى بالله شهيدا وإن لم يشهد معه أحد غيره ففيه تسلية للنبي صلىاللهعليهوسلم عن شهادة أهل الكتاب له فإن الله يشهد له وملائكته كذلك.
قوله عزوجل : (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا) يعني جحدوا نبوة محمد صلىاللهعليهوسلم وهم اليهود (وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ) يعني منعوا غيرهم عن الإيمان به بكتمان صفته وإلقاء الشبهات في قلوب الناس وهو قولهم لو كان محمد رسولا لأتى بكتاب من السماء جملة واحدة كما أتى موسى بالتوراة (قَدْ ضَلُّوا ضَلالاً بَعِيداً) يعني عن طريق الهدى (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا) يعني كفروا بالله وظلموا محمدا صلىاللهعليهوسلم بكتمان صفته وظلموا غيرهم بإلقاء الشبهة في قلوبهم (لَمْ يَكُنِ اللهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ) يعني لمن علم منهم أنهم يموتون على الكفر وقيل معناه لم يكن الله ليستر عليهم قبائح أفعالهم بل يفضحهم في الدنيا ويعاقبهم عليها بالقتل والسبي والجلاء في الآخرة بالنار وهو قوله تعالى : (وَلا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقاً) يعني ينجون فيه من النار وقيل ولا ليهديهم طريقا إلى الإسلام لأنه قد سبق في علمه أنهم لا يؤمنون (إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ) يعني لكنه تعالى يهديهم إلى طريق يؤدي إلى جهنم وهي اليهودية لما سبق في علمه أنهم أهل لذلك (خالِدِينَ فِيها) يعني في جهنم (أَبَداً وَكانَ ذلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيراً) يعني هينا.
قوله عزوجل : (يا أَيُّهَا النَّاسُ) هذا خطاب عام يدخل فيه جميع الكفار من اليهود والنصارى وعبادة الأصنام وغيرهم وقيل هو خطاب لمشركي العرب (قَدْ جاءَكُمُ الرَّسُولُ) يعني محمدا صلىاللهعليهوسلم (بِالْحَقِ) يعني بدين الإسلام الذي ارتضاه الله لعباده وقيل جاء بالقرآن الذي هو الحق (مِنْ رَبِّكُمْ) يعني من عند ربكم (فَآمِنُوا خَيْراً لَكُمْ) يعني فآمنوا بما جاءكم به محمد صلىاللهعليهوسلم يكن الإيمان بذلك خيرا لكم يعني من الكفر الذي أنتم عليه (وَإِنْ تَكْفُرُوا) يعني وإن تجحدوا رسالة محمد صلىاللهعليهوسلم وتكذبوا بما جاءكم من الحق من ربكم (فَإِنَّ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ) يعني فإن الله هو الغني عن إيمانكم لأن له ما في السموات والأرض ملكا وعبيدا ومن كان كذلك لم يكن محتاجا إلى شيء وأنه قادر على من يشاء (وَكانَ اللهُ عَلِيماً) يعني بما يكون منكم لا يخفى عليه شيء من أعمال عباده فيجزي كل عامل بعمله (حَكِيماً) يعني في تكليفهم مع علمه بما يكون منكم. قوله عزوجل :
(يا أَهْلَ الْكِتابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلا تَقُولُوا عَلَى اللهِ إِلاَّ الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقاها إِلى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللهِ وَرُسُلِهِ وَلا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ انْتَهُوا خَيْراً لَكُمْ إِنَّمَا اللهُ إِلهٌ واحِدٌ سُبْحانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَكَفى بِاللهِ وَكِيلاً (١٧١))
(يا أَهْلَ الْكِتابِ) نزلت هذه الآية في النصارى وذلك أن الله تعالى لما أجاب عن شبه اليهود فيما تقدم من الآية اتبع ذلك بإبطال ما تعتقده النصارى وأصناف النصارى أربعة : اليعقوبية والملكانية والنسطورية والمرقوسية ، فأما اليعقوبية والملكانية فقالوا في عيسى أنه الله وقالت النسطورية إنه ابن الله وقالت المرقوسية ثالث ثلاثة وقيل :
![تفسير الخازن [ ج ١ ] تفسير الخازن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4082_tafsir-alkhazin-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
