مُتَراكِباً وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِها قِنْوانٌ دانِيَةٌ وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهاً وَغَيْرَ مُتَشابِهٍ انْظُرُوا إِلى ثَمَرِهِ إِذا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِي ذلِكُمْ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ)(٩٩)
وقوله سبحانه : (وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ) ، يريد : آدم ـ عليهالسلام ـ ، (فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ) ، اختلف المتأوّلون في معنى هذا الاستقرار والاستيداع.
فقال الجمهور : مستقرّ في الرحم ، ومستودع في ظهور الآباء حتى يقضي / الله بخروجهم ، قال ابن عون : مشيت إلى منزل إبراهيم النّخعيّ وهو مريض ، فقالوا : قد توفّي ، فأخبرني بعضهم أنّ عبد الرّحمن بن الأسود سأله عن : (فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ) ، فقال : مستقرّ في الرحم ، ومستودع في الصّلب (١) ، وقال ابن عباس : المستقرّ : الأرض ، والمستودع : عند الرّحمن (٢) ، وقال ابن جبير : المستودع : في الصلب ، والمستقرّ في الآخرة (٣) ، قال الفخر : والمنقول عن ابن عباس في أكثر الروايات أن المستقرّ هو الأرحام ، والمستودع الأصلاب (٤) ، ثم قرأ : (وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحامِ ما نَشاءُ) [الحج : ٥] ومما يدلّ على قوة هذا القول ؛ أنّ النطفة لا تبقى في صلب الأب زمانا طويلا ، والجنين في رحم الأم يبقى زمانا طويلا ، ولما كان المكث في الرحم أكثر مما في صلب الأب ، كان حمل الاستقرار على المكث في الرحم أولى. انتهى.
قال ع (٥) : والذي يقتضيه النظر أنّ ابن آدم هو مستودع في ظهر أبيه ، وليس بمستقرّ فيه استقرارا مطلقا ؛ لأنه يتنقّل لا محالة ، ثم ينتقل إلى الرحم ، ثم ينتقل إلى الدنيا ، ثم ينتقل إلى القبر ، ثم ينتقل إلى المحشر ، ثم ينتقل إلى الجنّة أو النار ، فيستقرّ في أحدهما استقرارا مطلقا ، وليس فيها مستودع ؛ لأنه لا نقلة له بعد ، وهو في كلّ رتبة متوسّطة بين هذين الطرفين مستقرّ بالإضافة إلى التي قبلها ، ومستودع بالإضافة إلى التي بعدها ؛ لأن لفظ الوديعة يقتضي فيها نقلة ، ولا بدّ.
وقوله تعالى : (وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجْنا بِهِ نَباتَ كُلِّ شَيْءٍ) ،
__________________
(١) أخرجه الطبري (٥ / ٢٨٥) برقم (١٣٦٥٤) بنحوه ، وذكره ابن عطية (٢ / ٣٢٧)
(٢) أخرجه الطبري (٥ / ٢٨٢) برقم (١٣٦٢٧) ، وذكره ابن عطية (٢ / ٣٢٧)
(٣) أخرجه الطبري (٥ / ٢٨٣) برقم (١٣٦٣٠) ، وذكره ابن عطية (٢ / ٣٢٧)
(٤) أخرجه الطبري (٥ / ٢٨٣ ، ٢٨٤) رقم (١٣٦٣٨ ، ١٣٦٣٩) ، وذكره السيوطي في «الدر المنثور» (٣ / ٦٦) ، وعزاه لسعيد بن منصور ، وابن أبي شيبة ، وعبد بن حميد ، وابن المنذر ، وابن أبي حاتم ، وأبي الشيخ ، والحاكم عن ابن عباس بنحوه.
(٥) ينظر : «المحرر الوجيز» (١ / ٣٢٧)
![تفسير الثعالبي [ ج ٢ ] تفسير الثعالبي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4070_tafsir-alsaalabi-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
