يبحث عن الشرع الآمر بتوحيد الله تعالى ، وينظر في الأدلّة المنصوبة على ذلك ؛ بحسب إيجاب الشرع النّظر فيها ، ويؤمن ، ولا يعبد غير الله ، فمن فرضناه لم يجد سبيلا إلى العلم بشرع آمر بتوحيد الله ، وهو مع ذلك لم يكفر ، ولا عبد صنما ، بل تخلّى ، فأولئك أهل الفترات الذين أطلق عليهم أهل العلم أنهم في الجنّة ، وهم بمنزلة الأطفال والمجانين ، ومن قصّر في النظر والبحث ، فعبد صنما أو غيره ، وكفر ، فهو تارك للواجب عليه ، مستوجب للعقاب بالنّار ، فالنبيّ صلىاللهعليهوسلم قبل مبعثه ومن كان معه من النّاس وقبله ـ مخاطبون على ألسنة الأنبياء قبل بالتوحيد ، وغير مخاطبين بفروع (١) شرائعهم ؛ إذ هي مختلفة ، وإذ لم يدعهم إليها نبيّ ؛ قال / الفخر (٢) : واحتجّ العلماء بهذه الآية على أن محمدا صلىاللهعليهوسلم أفضل من جميع الأنبياء ـ عليهمالسلام ـ ؛ وتقريره : أنا بيّنّا أنّ خصال الكمال وصفات الشّرف كانت مفرّقة فيهم ، ثم إنه تعالى ، لمّا ذكر الكل ، أمر محمدا صلىاللهعليهوسلم أن يجمع من خصال الطاعة والعبوديّة والأخلاق الحميدة كلّ الصفات التي كانت مفرّقة فيهم بأجمعهم ، ولمّا أمره الله تعالى بذلك ، امتنع أن يقال : إنه قصّر في تحصيلها ؛ فثبت أنه حصّلها ، ومتى كان الأمر كذلك ، ثبت أنه اجتمع فيه من خصال الخير ما كان فيهم مفرّقا بأسرهم ، ومتى كان الأمر كذلك ، وجب أن يقال : إنه أفضلهم بكلّيّتهم ؛ والله أعلم. انتهى.
وقرأ حمزة (٣) والكسائيّ : «فبهداهم اقتد» ـ بحذف الهاء في الوصل ، وإثباتها في الوقف ـ ، وهذا هو القياس شبيهة بألف الوصل في أنها تقطع في الابتداء ، وتسقط في الوصل.
وقوله سبحانه : (قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً) ، أي : قل لهؤلاء الكفرة المعاندين : لا أسألكم على دعائي إياكم بالقرآن إلى عبادة الله تعالى ـ أجرة ؛ إن هو إلا موعظة وذكرى
__________________
(١) ينظر : «البحر المحيط» للزركشي (٣ / ٣٦) ، «التمهيد» للأسنوي ص (٣٦٤) ، و «نهاية السول» له (١ / ٣٥٩) ، «زوائد الأصول» (ص ١٧٩) ، «منهاج العقول» للبدخشي (١ / ٢٠٣) ، «التحصيل من المحصول» للأرموي (١ / ٣٢١) ، «المنخول للغزالي» ص (٣١) ، «الإبهاج» لابن السبكي (١ / ١٧٧) ، «الآيات البينات» لابن قاسم العبادي (١ / ٢٨٥) ، «تخريج الفروع على الأصول» للزنجاني (ص ٩٨) ، «كشف الأسرار» للنفسي (١ / ١٣٧) ، «شرح التلويح على التوضيح» لسعد الدين مسعود بن عمر التفتازاني (١ / ٢١٣) ، «نسمات الأسحار» لابن عابدين (ص ٦٠) ، «ميزان الأصول» للسمرقندي (١ / ٣٠٤) ، «البرهان في أصول الفقه» (١ / ١٠٧) ، «أصول الفقه» لمحمد أبي النور زهير (١ / ١٨٤)
(٢) ينظر : «تفسير الرازي» (١٣ / ٥٨)
(٣) وحجة الباقين بإثبات الهاء في الوصل أنها مثبتة في المصحف ، فكرهوا إسقاط حرف من المصاحف.
ينظر : «حجة القراءات» (٢٦٠) ، و «السبعة» (٢٦٢) ، و «الحجة» (٣ / ٣٥٠ ، ٣٥١) ، و «إعراب القراءات» (١ / ١٦٤) ، و «العنوان» (٩١) ، و «إتحاف» (٢ / ٢١)
![تفسير الثعالبي [ ج ٢ ] تفسير الثعالبي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4070_tafsir-alsaalabi-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
