قال ابن (١) عطيّة : ولا تكون بمعنى «خلق» ، لأن الله تعالى خلق هذه الأشياء كلّها ، ولا بمعنى «صيّر» ؛ لعدم المفعول الثاني ، قال أبو حيّان (٢) : ولم يذكر النحويّون لها هذا ، وقد جاء حذف أحد مفعولي «ظنّ» وأخواتها قليلا ، فتحمل هذه على حذف المفعول الثاني ، أي : ما صيّر الله بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ولا حاميا ـ مشروعا ، وهو أولى من إثبات معنى لم يسمع فيها ، وذكر أبو البقاء ؛ أنها هنا بمعنى «سمّى» انتهى.
قلت : وحاصل كلام أبي حيّان ؛ أنه شهادة على نفي ، وعلى تقدير صحّته ، فيحمل كلام ابن عطيّة على أنه تفسير معنى ، لا تفسير إعراب.
وبحيرة : فعلية بمعنى مفعولة ، وبحر : شقّ ، كانوا إذا نتجت النّاقة عشرة بطون ، شقّوا أذنها بنصفين طولا ، فهي مبحورة ، وتركت ترعى ، وترد الماء ، ولا ينتفع بشيء منها ، ويحرّم لحمها ؛ إذا ماتت على النساء ، ويحلّل للرّجال ؛ وذلك كلّه ضلال ، والسائبة : هي الناقة تسيّب للآلهة ، والناقة أيضا إذا تابعت ثنتي عشرة إناثا ليس فيهنّ ذكر ، سيّبت ، وكانت السوائب أيضا في العرب ؛ كالقربة عند المرض يبرأ منه ، والقدوم من السفر ، وإذا نزل بأحدهم أمر يشكر الله تعالى عليه ، تقرّب بأن يسيّب ناقة ، فلا ينتفع منها بلبن ، ولا ظهر ، ولا غيره ، يرون ذلك كعتق بني آدم ؛ ذكره (٣) السّدّيّ وغيره ، وكانت العرب تعتقد أنّ من عرض لهذه النوق ، فأخذها أو انتفع منها بشيء ، فإنه تلحقه عقوبة من الله ، والوصيلة : قال أكثر النّاس : إن الوصيلة في الغنم ، قالوا إذا ولدت الشاة ثلاثة بطون ، أو خمسة ، فإن كان آخرها جديا ، ذبحوه لبيت الآلهة ، وإن كان عناقا ، استحيوها ، وإن كان جدي وعناق ، استحيوهما ، وقالوا : هذه العناق وصلت أخاها ، فمنعته من أن يذبح ، وعلى أن الوصيلة في الغنم ، جاءت الرّوايات عن أكثر الناس ، وروي عن ابن المسيّب ؛ أن الوصيلة من الإبل ، وأما الحامي ؛ فإنه الفحل من الإبل ، إذا ضرب في الإبل عشر سنين (٤) ، وقيل : إذا ولد من صلبه عشر ، وقيل : إذا ولد من ولد ولده ، قالوا : حمى ظهره ، فسيّبوه ، لا يركب ، ولا يسخّر في شيء ، وعبارة الفخر (٥) : وقيل : الحامي : الفحل ؛ إذا ركب ولد ولده. انتهى ، قلت : والذي في «البخاريّ» : والحام : فحل الإبل يضرب الضّراب المعدود ، وإذا قضى
__________________
(١) ينظر : «المحرر الوجيز» (٢ / ٢٤٧)
(٢) ينظر : «البحر المحيط» (٤ / ٣٨)
(٣) أخرجه الطبري في «تفسيره» (٥ / ٩١) (١٢٨٤٣)
(٤) أخرجه الطبري في «تفسيره» (٥ / ٩١) (١٢٨٤٤) ، وذكره ابن عطية في «تفسيره» (٢ / ٢٤٨)
(٥) ينظر : «مفاتيح الغيب» (١٢ / ٩١)
![تفسير الثعالبي [ ج ٢ ] تفسير الثعالبي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4070_tafsir-alsaalabi-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
