وعظ من الله تعالى بعقب ذكر العقوبات النازلة بالمحاربين ، وهذا من أبلغ الوعظ ؛ لأنه يرد على النفوس ، وهي خائفة وجلة (وَابْتَغُوا) : معناه : اطلبوا ، و (الْوَسِيلَةَ) : القربة ، وأما الوسيلة المطلوبة لنبيّنا محمّد صلىاللهعليهوسلم ، فهي أيضا من هذا ؛ لأن الدعاء له بالوسيلة والفضيلة إنما هو أن يؤتاهما في الدنيا ، ويتّصف بهما ، ويكون ثمرة ذلك في الآخرة التشفيع في المقام المحمود ، قلت : وفي كلامه هذا ما لا يخفى ، وقد فسر النبيّ صلىاللهعليهوسلم الوسيلة التي كان يرجوها من ربه ، «وأنّها درجة في الجنّة لا ينبغي أن تكون إلّا لعبد من عباد الله ، وأرجو أن أكون أنا هو ...» (١) الحديث ، وخص سبحانه الجهاد بالذكر ، وإن كان داخلا في معنى الوسيلة تشريفا له ؛ إذ هو قاعدة الإسلام.
وقوله تعالى : (يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ) : إخبار بأنهم يتمنّون هذا ، وقال الحسن بن أبي الحسن : إذا فارت بهم النار ، قربوا من حاشيتها ، فحينئذ يريدون الخروج ، ويطمعون به (٢) ، وتأوّل هو وغيره الآية على هذا ؛ قلت : ويؤيّده ما خرّجه البخاريّ في رؤية النبيّ صلىاللهعليهوسلم ؛ «حيث أتاه آتيان ، فأخذا بيده» ، وفيه : «فأقبل الرّجل الّذي في النّهر ، فإذا أراد أن يخرج ، رمى الرجل بحجر في فيه» ، وفيه أيضا : «فانطلقنا إلى ثقب مثل التّنّور أعلاه ضيّق وأسفله واسع تتوقّد تحته نار ، فإذا اقترب ، ارتفعوا ، فإذا خمدت ، رجعوا فيها ، وفيها رجال ونساء عراة ، فقلت : ما هذا؟ فقالا : انطلق ...» (٣) الحديث ، وأخبر سبحانه عن هؤلاء الكفّار ؛ أنّهم ليسوا بخارجين من النار ، بل عذابهم فيها مقيم مؤبّد.
(وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما جَزاءً بِما كَسَبا نَكالاً مِنَ اللهِ وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٣٨) فَمَنْ تابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣٩) أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللهَ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَاللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ)(٤٠)
وقوله سبحانه : (وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما ...) الآية : قلت (٤) : المسروق : مال أو غيره.
__________________
(١) تقدم تخريجه.
(٢) ذكره ابن عطية (٢ / ١٨٧)
(٣) هو حديث المعراج الطويل ، وسيأتي تخريجه في موضعه.
(٤) السرقة : بفتح السين ، وكسر الراء ، ويجوز إسكان الرّاء ، مع فتح السين ، وكسرها ؛ يقال : سرق بفتح الراء ، يسرق بكسرها سرقا ، وسرقة ، فهو سارق ، والشيء مسروق ، وصاحبه مسروق منه ، فهي لغة : أخذ الشيء من الغير خفية ، أي شيء كان.
واصطلاحا :
![تفسير الثعالبي [ ج ٢ ] تفسير الثعالبي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4070_tafsir-alsaalabi-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
