والصحيح الذي عليه الجمهور أنّ هذه الآية في المنافقين / ، والقرين : فعيل بمعنى فاعل من المقارنة ، وهي الملازمة والاصطحاب ، والإنسان كلّه يقارنه الشّيطان لكنّ الموفّق عاص له.
وقوله تعالى : (وَما ذا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُوا بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ...) الآية : التقدير : وأيّ شيء عليهم ، لو آمنوا ، وفي هذا الكلام تفجّع ما عليهم ، واستدعاء جميل يقتضي حيطة وإشفاقا ، (وَكانَ اللهُ بِهِمْ عَلِيماً) : إخبار يتضمّن وعيدا ، وينبّه على سوء تواطئهم ، أي : لا ينفعهم كتم مع علم الله بهم.
(إِنَّ اللهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضاعِفْها وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً)(٤٠)
وقوله تعالى : (إِنَّ اللهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ ...) الآية : مثقال : مفعال من الثّقل ، والذّرّة : الصغيرة الحمراء من النّمل ، وروي عن ابن عبّاس ؛ أنه قال : الذّرّة : رأس النملة (١) ، وقرأ ابن عبّاس : «مثقال نملة» ؛ قال قتادة عن نفسه (٢) ، ورواه عن بعض العلماء : لأن تفضل حسناتي على سيّئاتي بمثقال ذرّة أحبّ إليّ من الدّنيا جميعا.
وقوله سبحانه : (وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً) : التقدير : وإن تك زنة الذّرّة ، وفي «صحيح مسلم» وغيره ، من حديث أبي سعيد ، عن النبيّ صلىاللهعليهوسلم قال : «ثمّ يضرب الجسر على جهنّم ، وتحلّ الشّفاعة ، ويقولون : اللهمّ ، سلّم سلّم» ، وفيه : «فيمرّ المؤمنون كطرف العين ، وكالبرق ، وكالرّيح ، وكالطّير ، وكأجاويد الخيل ، والرّكاب ، فناج مسلّم ، ومخدوشّ (٣) مرسل ، ومكدوس (٤) في نار جهنّم حتّى إذا خلص المؤمنون من النّار ، فو الّذي نفسي بيده ، ما من أحد منكم بأشدّ مناشدة لله في استيفاء الحقّ من المؤمنين لله يوم القيامة لإخوانهم الّذين في النّار ، يقولون : ربّنا ، كانوا يصومون معنا ، ويصلّون ، ويحجّون ، فيقال لهم : أخرجوا من عرفتم ، فتحرّم صورهم على النّار ، فيخرجون خلقا كثيرا ، قد أخذت النّار إلى نصف ساقيه ، وإلى ركبتيه ، ثمّ يقولون : ربّنا ، ما بقي فيها أحد ممّن أمرتنا به ، فيقول : ارجعوا ، فمن وجدتم في قلبه مثقال دينار من خير ، فأخرجوه ، فيخرجون خلقا كثيرا ، ثمّ
__________________
(١) أخرجه الطبري (٤ / ٩١) برقم (٩٥٠٦) ، وذكره ابن عطية (٢ / ٥٣) ، والسيوطي (٢ / ٢٩٠) بلفظ «نملة» ، وعزاه لابن المنذر.
(٢) أخرجه الطبري (٤ / ٩١) برقم (٩٥٠٤) ، (٩٥٠٥) ، وذكره السيوطي (٢ / ٢٩٠) ، وعزاه لعبد بن حميد ، وابن جرير.
(٣) خدش الجلد : قشره بعود أو نحوه. ينظر : «النهاية» (٢ / ١٤)
(٤) أي : مدفوع. وتكدّس الإنسان إذا دفع من ورائه فسقط. ينظر : «النهاية» (٤ / ١٥٥)
![تفسير الثعالبي [ ج ٢ ] تفسير الثعالبي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4070_tafsir-alsaalabi-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
