أخرج ابن جرير الطبري ، وابن أبي حاتم ، وعبد بن حميد ، عن قتادة قال : لما نعت الله ما في الجنة ، عجب من ذلك أهل الضلالة ، فأنزل الله تعالى : (أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ) (١٧)
هذه طائفة من الأدلة على وجود الله ووحدانيته وقدرته ، على الناس أن ينظروا فيها ، ويتأملوا بعجيب خلقها ، ليهتدوا إلى الإيمان باليوم الآخر. كيف يصح للمشركين إنكار البعث واستبعاد وقوعه؟ وهم يشاهدون الإبل التي هي غالب مواشيهم وأكبر مخلوقاتهم في بيئتهم ، كيف خلقها الله على هذا النحو البديع ، من عظم الجثة ، وقوة الجسد ، وجمال الوصف ، فهي خلق عجيب ، وتركيب غريب. ومع ذلك تلين للحمل الثقيل ، وتنقاد للولد الصغير ، وتؤكل بعد الذبح ، وينتفع بأوبارها ، وألبانها ، وجلودها ، وتصبر على الجوع والعطش.
ودليل آخر هو : ألا يشاهدون السماء كيف رفعت فوق الأرض بلا عمد؟! وينظرون إلى الجبال الضخمة العالية المنصوبة على الأرض ، فإنها ثابتة لئلا تميد الأرض بأهلها أثناء دورانها.
وينظرون إلى الأرض كيف بسطت ومدت ومهّدت ، ليستقر عليها سكناها ، وينتفعوا بما فيها من خيرات ومعادن دفينة ، وما تخرجه من نباتات وزروع وأشجار متنوعة ، بها قوام الحياة والمعيشة.
وتسطيح الأرض إنما هو بالنسبة للناظر إليها من كثب (أي قرب) ، والمقيم عليها في بعض نواحيها ، ولا يعني ذلك أنها ليست بكروية ، لأن الكرة ـ كما ذكر الفخر الرازي ـ إذا كانت في غاية العظمة ، يكون كل قطعة منها كالسطح.
وإنما ذكرت هذه المخلوقات دون غيرها ، لأنها أقرب الأشياء إلى الإنسان الناظر فيها.
![التفسير الوسيط [ ج ٣ ] التفسير الوسيط](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4062_altafsir-alwasit-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
