في التعليم والتبليغ ، ثم نفى الله تعالى عن القرآن أن يكون كلام شيطان ، حيث ردّ الله على ما قالت قريش : إن محمدا كاهن. أي وليس القرآن بقول شيطان يسترق السمع ، مبعد مرجوم بالكواكب واللعنة وغير ذلك ، لأن القرآن ليس بشعر ولا كهانة ، كما قالت قريش.
فأيّ طريق تسلكون أبين من هذه الطريقة التي قد بينت لكم؟ وأين تذهب عقولكم في تكذيبكم بهذا القرآن ، مع ظهوره ووضوحه ، وبيان كونه حقا من عند الله تعالى؟ فهذا تقرير وتوقيف ، على معنى : أين المذهب (مقر الذهاب) لأحد عن هذه الحقائق؟!
ما القرآن إلا موعظة للخلق أجمعين ، وتذكير لهم بما ينفعهم ، وتحذير لهم مما يضرهم ، لمن أراد من البشر أن يستقيم على الحق والإيمان والطاعة ، فمن أراد الهداية ، فعليه بهذا القرآن ، فإنه مناجاة له وهداية ، ولا هداية فيما سواه. والذكر هنا : مصدر بمعنى التذكرة. وخصص الله تعالى من شاء الاستقامة بالذكر ، تشريفا وتنبيها وبيانا لتكسبهم أفعال الاستقامة.
ثم بيّن الله تعالى أن تكسّب المرء على العموم ، في استقامة وغيرها : إنما يكون مع خلق الله تعالى ، واختراعه الإيمان في صدر المرء ، فقال : (وَما تَشاؤُنَ ..) أي وما تريدون الاستقامة ، ولا تقدرون على ذلك إلا بمشيئة الله وتوفيقه ، فليست المشيئة موكولة إليكم ، فمن شاء الله اهتدى ، ومن شاء ضل ، بل كل ذلك تابع لمشيئة الله تعالى رب الإنس والجن والعالم كله. آمنا بالله وبما يشاء.
روي أنه لما نزل قوله تعالى : (لِمَنْ شاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ) (٢٨) قال أبو جهل : هذا أمر قد وكل إلينا ، فإن شئنا استقمنا ، وإن لم نشأ لم نستقم ، فنزلت : (وَما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللهُ) (١).
__________________
(١) أخرجه ابن جرير وابن أبي حاتم عن سليمان بن موسى.
![التفسير الوسيط [ ج ٣ ] التفسير الوسيط](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4062_altafsir-alwasit-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
