وأعد الله تعالى أثناء دحو الأرض وسائل الحياة والعيش بأن فجّر من الأرض الماء بالأنهار والعيون والينابيع ، وأنبت فيها المراعي والأعشاب والحشائش للدواب ، وجعل فيها النبات لبني آدم كالحبوب والثمار ، وجعل الجبال كالأوتاد للأرض ، لئلا تتحرك بأهلها ، ومعنى (أرساها) : أثبتها. وجميع هذه النعم إذا تدبّرت فهي متاع للناس والأنعام ، يتمتعون فيها وبها ، وجعل الله كل ذلك منفعة وفائدة لكم أيها الناس ولأنعامكم التي تركبونها وتأكلون لحمها ، وهي الإبل والبقر والغنم.
فإذا جاء وقت مجيء الداهية العظمى وهي القيامة ، التي تطم على سائر الطامات ، وهي يوم القيامة ، أو النفخة الثانية للبعث من القبور ، وينسى الإنسان كل شيء قبلها في جنبها ، ويتذكر أعماله التي سعى بها في الدنيا ، وتبرز ، أي تظهر واضحة للعيان الجحيم ، لمن يشاهدها ويبصر ويحصّل.
ويأتي الحكم الفاصل في الخلائق بعدئذ ، فأما من طغى (أي تجاوز الحدود التي ينبغي للإنسان أن يقف عندها ، فكفر وعصى ، وتمرد وتكبر) وقدم الحياة الدنيوية على الآخرة ، ولم يستعد لها ، ولا عمل عملها ، فالنار المحرقة هي مأواه ومثواه ومستقره ، لأن حب الدنيا رأس كل خطيئة.
وأما من خاف القيام بين يدي الله عزوجل ، وخاف حكم الله فيه يوم القيامة ، وأدرك عظمة الله وجلاله ، ونهى نفسه عن هواها ، وزجرها عن المعاصي والمحارم التي تشتهيها ، وردها إلى طاعة مولاها ، فالجنة مكانه الذي يأوي إليه ، ومستقره ومقامه ، لا غيرها.
ثم أورد الله تعالى تساؤل المشركين استهزاء عن ميعاد القيامة ، يسألك أيها النبي المشركون المكذبون بالبعث عن وقت رسو أو استقرار القيامة ، وميعاد وقوعها ، متى يأتي بها الله؟ نزلت بسبب أن قريشا كانت تلح في البحث عن وقت الساعة التي كان
![التفسير الوسيط [ ج ٣ ] التفسير الوسيط](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4062_altafsir-alwasit-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
