إليه من آخره. وهم يقولون ذلك على جهة الاستخفاف والعجب والتكذيب. والمعنى : أإنا لمردودون إلى الحياة بعد مفارقتها بالموت؟!
وكيف يتصور ردنا إلى الحياة ، بعد أن صرنا عظاما بالية متفتتة منخورة؟ إنا إذا رددنا بعد الموت ، وصح أن بعثنا يوم القيامة لنخسرن خسارة محققة ، لتكذيبنا بمحمد ، وهذا قول على سبيل الاستهزاء والتهكم ، هذا ما قالوه ، فنزلت هذه الآية.
فرد الله عليهم : لا تستبعدوا ذلك ، فإنما الأمر يسير ، ولا تحسبوا تلك الكرة صعبة على الله ، وما هي إلا صيحة واحدة ، وهي النفخة الثانية للبعث من القبور ، فإذا هم على وجه الأرض أحياء ، والساهرة : أرض الآخرة ، وهي أرض بيضاء مستوية ، ووصفت بذلك لأنهم لا ينامون عليها حينئذ. وقال جماعة : هي أرض أو جبل بالشام ، قريبة من بيت المقدس.
ثم واسى الله نبيه وآنسه عن تكذيب قومه ، بقصة موسى عليهالسلام مع فرعون الجبار : فقال له : ألم يبلغك قصة موسى عليهالسلام مع فرعون ، حيث ابتعثه الله إليه ، وأيده بالمعجزات ، حين ناداه ربه ليلا ، مكلما إياه ، مكلفا له بالنبوة والرسالة في الوادي المبارك المطهر : وهو طوى : وهو الوادي في جبل سيناء. وقال الله تعالى له مبينا مهمّته : اذهب إلى فرعون طاغية مصر ، فإنه جاوز الحد في العصيان والتكبر والكفر بالله ، حيث ادعى الربوبية ، واستعبد قومه.
وأسلوب دعوتك ، بأن تقول له : هل لك رغبة في التطهر من الشرك والعيوب؟ وأرشدك إلى معرفة الله وتوحيده وعبادته ، وإنما أمره الله بلين القول ، ليكون أنجع أو أنجح في دعوته ، وهذا دليل على أن هدف البعثة : هداية الناس إلى معرفة الله.
ودليل صدق موسى أمام فرعون : معجزته ، وهي أنه أظهر له العلامة الكبرى الدالة على صدق نبوته : وهي انقلاب العصا حية ، وتحول اليد بيضاء ، ومع ذلك كذّب وخالف ، كما في قوله تعالى : (فَكَذَّبَ وَعَصى) (٢١)
![التفسير الوسيط [ ج ٣ ] التفسير الوسيط](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4062_altafsir-alwasit-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
