برؤوس أصابعهم ، لئلا يسمعوا ما أدعوهم إليه ، وغطّوا بثيابهم وجوههم لئلا يروني ، ولئلا يسمعوا كلامي ، واستمروا على الكفر والشّرك ولازموه ، وتكبّروا عن قول الحق تكبّرا شديدا ، أي استنكفوا عن اتّباع الحق والانقياد له.
ثم إنني نوّعت لهم أساليب الدعوة ، فدعوتهم إلى الإيمان والطاعة جهرة بين الناس ، أي مجاهرا لهم بها ، ثم جمعت في الدعوة بين الإعلان بها والإسرار ، أي إن نوحا عليهالسلام سلك في دعوته مراتب ثلاثا : بدأ بالمناصحة في السرّ ليلا ونهارا ، ففرّوا منه ، ثم جهر بالدعوة ، لأن النصح العلني تقريع ، ثم جمع بين الأمرين : الإسرار والإعلان. وتكرار صفة الدعوة بيان وتأكيد ، يدلّ على غاية الجدّ.
وقلت لهؤلاء القوم : اطلبوا المغفرة من ربّكم لذنوبكم السابقة ، بإخلاص النّية ، وتوبوا إلى الله من الكفر والمعاصي ، إن ربّكم الذي خلقكم وربّاكم كثير المغفرة للمذنبين.
ثم وعدهم على التوبة من الكفر والعصيان بخمسة أشياء : إرسال المطر المتتابع ، الكثير الغزارة ليكثر الخير والخصب ، والإمداد بالأموال الكثيرة ، وإكثار الذرّية والأولاد بسبب الأمن والرفاه ، ومنحهم بساتين نضرة عامرة بالأشجار والثمار ، وجعل الأنهار جارية بالماء العذب ، ليكثر الزرع والثمر والغلة. والوقار : العظمة والسلطان. فكأن الكلام وعيد وتخويف.
ما لكم لا تخافون من عظمة الله وجلاله ، فتوحّدوه وتطيعوه ، في حين أنه هو الذي خلقكم على أطوار أو مراحل مختلفة ، وهو كما قال ابن عباس إشارة إلى التدرّج الذي للإنسان في بطن أمّه من النطفة والعلقة والمضغة ، ثم العظام فاللحم ، ثم تمام الخلق ، وإنشاؤكم خلقا آخر ، تمرّون في دور الطفولة ، ثم التمييز ، ثم البلوغ والمراهقة ، ثم الشباب ، ثم الكهولة ، ثم الشيخوخة ، فكيف تقصرون في توقير من خلقكم على هذه الأطوار البديعة؟
![التفسير الوسيط [ ج ٣ ] التفسير الوسيط](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4062_altafsir-alwasit-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
