المكذبين بالقرآن الكريم ، فإني أنا أكفيك أمرهم ، وأعلم كيف أجازيهم ، فإنا سنأخذهم بالعذاب على غفلة ، بعد سوقهم إليه درجة فدرجة ، حتى نوقعهم فيه من حيث لا يعلمون أن ذلك استدراج ، لأنهم يظنونه إنعاما ، وهم لا يشعرون أن الإنعام استدراج.
والاستدراج : يستعمل في الشرّ ، ويراد به : النزول بالشخص درجة درجة إلى حيث تريد ، لتوريطه فيه ، والمراد : إدناؤهم من العذاب تدريجا بالإمهال وإدامة الصحة ، وزيادة النعمة. أخرج البخاري ومسلم والترمذي وابن ماجه ، عن أبي موسى رضي الله عنه ، قال : قال رسول الله صلىاللهعليهوسلم : «إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته» ثم قرأ : (وَكَذلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذا أَخَذَ الْقُرى وَهِيَ ظالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ) [هود : ١١ / ١٠٢].
وأمهلهم وأؤخرهم ليزدادوا إثما ، ويتورّطوا ، فإن تدبيري وكيدي لأهل الكفر قوي شديد ، فلا يفوتني شيء لكل من خالف أمري ، وكذّب رسلي. وسمي الجزاء كيدا ، لكونه في صورة الجرم. فالمراد بالكيد هنا العقوبة : التي تحلّ بالكفار من حيث هي على كيد منهم ، فسمّى العقوبة باسم الذنب. و (المتين) القوي الذي له متانة.
ثم أخبر الله تعالى عن إزالة أي مانع يمنع المشركين من قبول الإسلام ، فقال : (أَمْ تَسْئَلُهُمْ) و (أم) هي التي تتضمن الإضراب عن الكلام الأول ، لا على جهة الرفض له ، لكن على جهة الترك ، والإقبال على ما سواه.
والمراد : بل أتطلب يا محمد منهم أجرة على الإرشاد والهداية وتبليغ الرسالة إليهم ، فهم من الغرامة المالية مثقلون بأدائها ، لشحّهم ببذل المال. الحقيقة أنك أيها النبي تدعو إلى توحيد الله تعالى بلا أجر تأخذه منهم ، بل ترجو ثواب ذلك عند الله
![التفسير الوسيط [ ج ٣ ] التفسير الوسيط](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4062_altafsir-alwasit-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
