ـ بل ألكم من الله عهد موثق ، وأيمان مغلظة مؤكدة ، قائمة إلى يوم القيامة ، في أن الله تعالى يدخلكم الجنة ، ويحقّق لكم رغائبكم كما تريدون وتشتهون؟ وأن لكم إنفاذ الحكم الذي تصدرونه؟ كأنه تعالى يقول : هل أقسمنا لكم قسما فهو عهد لكم بأن ننعّمكم يوم القيامة وما بعده؟
اطلب منهم يا محمد موبّخا ومقرّعا وقل لهم : من المتضمن المتكفل بهذا ، أو أيهم كفيل لهم بذلك ، بأن لهم في الآخرة ما للمسلمين فيها؟!
ـ بل ألهم شركاء لله بزعمهم كالأصنام والأنداد قادرون على أن يجعلوهم مثل المسلمين في الآخرة؟ فإن كان لهم شركاء ، فليأتوا بهم لمناصرتهم ، إن كانوا صادقين في دعواهم. وهذا نفي التقليد وإبطال اعتقاد المشركين.
ثم تحدّاهم الله بالإتيان بالشركاء يوم القيامة حيث يشتدّ الأمر ، وذلك وقت أن يكشف عن الساق ، أي يوم اشتداد الأمر ، وعظم الخطب في القيامة ، وحين يدعى هؤلاء المشركون وأنصارهم من الكفار والمنافقين ، إلى السجود ، توبيخا لهم على تركه في الدنيا ، فلا يتمكنون من السجود ، لأن ظهورهم تيبس ، وتصبح شيئا واحدا ، فلا تلين للسجود. قال مجاهد في قوله : (يَوْمَ يُكْشَفُ) هي أول ساعة من القيامة ، وهي أفظعها.
وتكون أبصارهم خاشعة ذليلة منكسرة ، تعمّهم الذّلة الشديدة ، والحسرة والندامة ، وقد كانوا في الدنيا مدعوين إلى الصلاة والسجود لله تعالى ، فامتنعوا وتمرّدوا ، وكانوا سالمين أصحاء ، متمكنين من الفعل ، ولا يوجد مانع يمنعهم من السجود. قال النخعي والشعبي : المراد بالسجود : الصلوات المفروضة. والواقع أنهم لا يدعون إلى السجود تعبّدا ، وإنما توبيخا وتعنيفا على تركهم السجود في الدنيا. وبما أنهم تكبروا عن السجود في الدنيا ، مع صحتهم وسلامتهم ، عوقبوا بنقيض ما كانوا
![التفسير الوسيط [ ج ٣ ] التفسير الوسيط](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4062_altafsir-alwasit-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
