يبيّن فيها للناس الشرائع والأحكام ، لإخراج المؤمنين بالآيات والرسول من دائرة الظلمات إلى أنوار الهداية الربانية ، ومن ظلمات الكفر إلى نور الإيمان.
وقوله تعالى : (قَدْ أَنْزَلَ اللهُ إِلَيْكُمْ ذِكْراً رَسُولاً) مختلف فيه ، فقال قوم من المتأولين : المراد بالاسمين القرآن ، و (رَسُولاً) بمعنى رسالة. وقال آخرون : رسولا نعت أو كالنعت لقوله سبحانه : (ذِكْراً) أي ذكرا ذا رسول. وقال آخرون : المراد بهما جميعا محمد صلىاللهعليهوسلم ، والمعنى : ذا ذكر رسولا ، والذكر : اسم من أسماء الرسول عليه الصّلاة والسّلام ، وهذا هو الظاهر ، لكن قال ابن عطية رحمهالله : وأبين الأقوال عندي معنى : أن يكون (الذّكر) القرآن ، و (الرّسول) محمدا صلىاللهعليهوسلم ، والمعنى : بعث رسولا ، لكن الإيجاز اقتضى اختصار الفعل الناصب للرسول ، ونحا هذا المنحى السّدي.
ثمّ رغّب الله المؤمنين بالإيمان والعمل الصالح ببيان الجزاء الحسن لهما ، وهو أن من يصدّق بالله ، ويعمل العمل الصالح ، فيجمع بين التصديق والعمل بما فرضه الله عليه ، يدخله الله جنات (أي بساتين) تجري من تحت قصورها وأشجارها الأنهار ، ماكثين فيها أبدا على الدوام ، وقد وسّع الله له رزقه في الجنة. والرزق الحسن في الآية : رزق الجنة ، لدوامه وتدفّقه.
ثم أورد الله ما يدلّ على عظيم قدرته وسعة علمه ، وهو أن الله تعالى هو الذي أبدع السماوات السبع ، والأرضين السبع ، أي كونها سبعا مثل السماوات السبع ، يتنزل أمر الله وقضاؤه وحكمه بين السماوات والأرض ، وقد فعل ذلك لتعلموا كمال قدرة الله ، وإحاطة علمه بجميع الأشياء ، فلا يخرج عن علمه شيء منها كائنا ما كان ، فاحذروا المخالفة ، لأن الله مطّلع على كل شيء ، واتّعظوا بمصائر الأمم السابقة ، فإن الله تام العلم بأعمالكم كلها ، وسيجازيكم عليها ، والكل خاضع له سبحانه ، وفي دائرة سلطانه ، فيكون الله قادرا على إثابة الطائعين ، وتعذيب العاصين والمخالفين لأمره.
![التفسير الوسيط [ ج ٣ ] التفسير الوسيط](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4062_altafsir-alwasit-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
