مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلاقِيكُمْ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلى عالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٨)) (١) [الجمعة : ٦٢ / ٥ ـ ٨].
إن مثل اليهود الذين كلفوا العمل بالتوراة والقيام بأوامرها ونواهيها ، ثم هجروها وتركوها ، كمثل الحمار الذي يحمل الكتب الكبيرة على ظهره ، وهو لا يقدّر قيمتها وأهميتها ، ولا الفرق بينها وبين الأحمال الأخرى ، لأنه عديم الفهم. وهذا كما حمل الإنسان الأمانة. فهم لم يلتزموا حدود التوراة ، حين كذبوا بمحمد صلىاللهعليهوسلم ، والتوراة تنطق بنبوته ، فكأن كل خير لم ينتفع به من حمّله ، كمثل حمار عليه أسفار ، لا يميز بينها. والأسفار جمع سفر : وهو الكتاب المجتمع الأوراق منضّدة.
ما أقبح ما يمثّل به للمكذبين الذين كذبوا بآيات الله ، وما أشنع هذا التشبيه ، وهو تشبيه اليهود بالحمار ، فإياكم أن تكونوا أيها المسلمون مثلهم. والله لا يوفق للحق والخير القوم الكافرين ، بنحو عام ، ومنهم اليهود بالأولى. فقوله : (بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ) معناه وتقديره : بئس المثل مثل القوم.
ثم ذمّ اليهود ذمّا آخر ، وردّ على مزاعمهم ردا آخر ، قل أيها الرسول : يا أيها اليهود إن كنتم تزعمون أنكم أولياء الله ، أي أحباؤه من دون الناس ، وأنكم على هدى ، وأن المسلمين على ضلالة ، فاطلبوا الموت لتصيروا إلى الكرامة أو التكريم في زعمكم ، وادعوا بالموت على الضّال من الفئتين ، إن كنتم صادقين في هذا الزعم.
روي أنها نزلت بسبب أن يهود المدينة لما ظهر رسول الله صلىاللهعليهوسلم خاطبوا يهود خيبر في أمره ، فذكروا نبوّته ، وقالوا لهم : إن رأيتم اتّباعه أطعناكم ، وإن رأيتم خلافه خالفناه معكم ، فجاءهم جواب أهل خيبر يقولون : نحن أبناء إبراهيم خليل الرحمن ، وأبناء عزير ابن الله ، ومنا الأنبياء ، ومتى كانت النّبوة في العرب؟ نحن أحقّ بالنّبوة
__________________
(١) تخافون منه.
![التفسير الوسيط [ ج ٣ ] التفسير الوسيط](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4062_altafsir-alwasit-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
