وينادي المنافقون المؤمنين : ألم نكن معكم في دار الدنيا ، نوافقكم في أعمالكم وعباداتكم في المساجد ، وأداء مناسك الحج ، وحضور معارك الجهاد ، والعمل بأعمال الإسلام كلها. فأجاب المؤمنون المنافقين قائلين : بلى قد كنتم معنا في الظاهر ، ولكنكم اختبرتم أنفسكم ، وأهلكتموها بالنفاق وإبطان الكفر ، وتوقعتم الدواهي والمصائب بالمؤمنين ، وشككتم في أمر الدين والبعث بعد الموت ، ولم تصدّقوا بما نزل به القرآن ، ولا آمنتم بالمعجزات ، وخدعتكم الأماني المعسولة الباطلة ، حيث قلتم : سيغفر لنا ، وسيهلك محمد هذا العام ، ستهزمه قريش ، وغرّكم طول الأمل وامتداد الأجل ، حتى فاجأكم الموت أو الفتح وظهور الإسلام ، وخدعكم بالله الشيطان.
ففي هذا اليوم لا يقبل منكم أيها المنافقون فدية تفدون بها أنفسكم من النار أو العذاب ، ولا أيضا من الذين كفروا بالله ظاهرا وباطنا ، منزلكم الذي تأوون إليه النار ، هي أولى بكم من كل منزل ، وبئس المصير الذي تصيرون إليه ، وهو النار.
وقوله : (هِيَ مَوْلاكُمْ) قال المفسّرون : معناه : هي أولى بكم ، وهذا تفسير بالمعنى ، وإنما هي ـ كما قال ابن عطية ـ استعارة ، لأنها من حيث تضمّهم وتباشرهم هي تواليهم ، وتكون لهم مكان المولى ، أي الناصر والعون. وعلى هذا ، فتكون كلمة (مَوْلاكُمْ) ظرف مكان بمعنى أنه مكانكم الذي يقال فيه : إنه أولى بكم.
إن هذا الحوار أو النقاش السابق وصفه في الدنيا قبل الآخرة إعجاز قرآني ، وإنذار موجه لخير الإنسان ، لأنه يبين نوع الجزاء المؤلم ، وسببه الذي أدى إليه ، فلا يبقى هناك مجال للوم أو الاعتذار ، فمن أنذر فقد أعذر ، وأدى ما عليه ليتجنب الأسباب المؤدية إلى الهلاك والخسران ، في يوم لا تغيير فيه ولا تبديل في القضاء والحكم الحاسم.
![التفسير الوسيط [ ج ٣ ] التفسير الوسيط](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4062_altafsir-alwasit-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
