عدد الله نعمه في هذه السورة مبتدئا بذاته المقدسة مصدر النعم.
الرحمن : هو الله تعالى المنعم بجلائل النعم الدنيوية والأخروية ، وهم اسم من أسماء الله الحسنى. وهو الذي أنزل القرآن وعلّمه الناس. أوجد الإنسان : وهو هنا اسم جنس ، وعلّمه النطق والفهم والإبانة عن ذلك بقول.
ومن نعم الله تعالى العلوية مجال التعلم : أن الشمس والقمر يجريان بحساب دقيق منظم ، معلوم في بروج ومنازل معلومة ، لا يتجاوزانها ، ويدلان على اختلاف الفصول وعدد الشهور والسنين ، ومواسم الزراعة ، وآجال المعاملات وأعمار الناس.
ومن نعمه في عوالم الأرض السفلى : أن النبات الذي لا ساق له ، والشجر الذي له ساق ينقادان طبعا لله تعالى فيما أراد ، كما ينقاد الساجدون من المكلفين اختيارا ، فيظهران في وقت محدد ولأجل معين ، وهما غذاء الإنسان ، ومتعة له.
وظاهرة التوازن أو النسبية بين الأشياء : هي في أن الله رفع السماء فوق الأرض ، ووضع شرع العدل وأمر به ، كما قال الله تعالى : (لَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلَنا بِالْبَيِّناتِ وَأَنْزَلْنا مَعَهُمُ الْكِتابَ وَالْمِيزانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ) [الحديد : ٥٧ / ٢٥].
وأمر الله بإقامة العدل على الوجه الصحيح ، ومنه إقامة الوزن للأشياء بالعدل ، ونهى عن نقص المكيال والميزان ، كما قال تعالى : (وَزِنُوا بِالْقِسْطاسِ الْمُسْتَقِيمِ) [الشعراء : ٢٦ / ١٨٢] وذلك بقدر الإمكان. وأما ما لا يقدر البشر عليه من تحرير الميزان وتسويته بدقة ، فهو موضوع عن الناس.
وقوله : (وَلا تُخْسِرُوا) من أخسر ، أي نقص وأفسد.
وهذا لتأكيد الأمر بالعدل ، فقد أمر الله سبحانه أولا بالعدل والتسوية ، ثم نهى عن التجاوز والزيادة عند استيفاء الحق ، ثم منع الخسران الذي هو النقص والبخس.
![التفسير الوسيط [ ج ٣ ] التفسير الوسيط](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4062_altafsir-alwasit-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
