فدعا نوح عليهالسلام ربه تعالى قائلا : إني ضعيف عن مقاومة هؤلاء ، فانتصر أنت لدينك ، بعد علمك بتمردهم وعنادهم ، فأجابه الله : لقد صببنا عليهم ماء غزيرا كثيرا متدفقا. وكلمة (أبواب السماء) هي تشبيه ومجاز ، لأن المطر كثر كأنه من أبواب. ومنهمر : شديد الوقوع وغزير.
وجعلنا الأرض كلها عيونا متفجرة ، وينابيع متدفقة ، فالتقى ماء السماء ، وماء الأرض ، على أمر قد قضي عليهم ، ورتبة وحالة قد قدرت في الأزل وقضيت ، أو على مقادير قد قدرت ورتبت وقت التقائه ، وهو وصف الطوفان لعقابهم والانتقام منهم.
وحملنا نوحا عليهالسلام على سفينة ذات ألواح : وهي الأخشاب العريضة ، ودسر : وهي المسامير التي تشدّ بها الألواح ، وهذا الإيجاز من فصيح الكلام وبديعه.
تسير السفينة بمنظر ومرأى منا ، وحفظ وحراسة لها ، جزاء لهم على كفرهم بالله ، وانتصارا لنوح عليهالسلام ، لأن إرساله نعمة ، وتكذيبه كفران موجب للنقمة. وهذا دليل على ضرورة اتخاذ الأسباب ، لتحقيق النتائج المرجوة. فقوله : (بِأَعْيُنِنا) معناه بحفظنا وكفايتنا وتحت نظر منا لأهلها.
ولقد أبقينا خبر السفينة عبرة للمعتبرين ، أو تركنا هذه الفعلة التي فعلناها بهم عبرة وعظة ، فهل من متعظ يتعظ بهذه الآية ويعتبر بها؟!
فانظر أيها السامع كيف كان عذابي لمن كفر بي ، وكذب رسلي ، ولم يتعظ بإنذاراتي التي جاء بها المرسلون ، وكيف انتصرت لهم وثأرت لهم ، وكيف كانت إنذاراتي؟ وهو اطلاع لقريش على سبيل التوبيخ والتخويف ، معناه : كيف كان عاقبة إنذاري ، لمن لم يحفل به ، مثلكم أيها القوم؟ وجمع النّذر : إشارة إلى غلبة الرحمة الغضب ، لأن الإنذار وهو الاعلام المتقدم رحمة وشفقة. وقوله : (كُفِرَ) معناه جحد به.
![التفسير الوسيط [ ج ٣ ] التفسير الوسيط](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4062_altafsir-alwasit-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
