الشجرة حين أخذ رسول الله صلىاللهعليهوسلم الأهبة لقتال قريش ، لما بلغه مقتل عثمان بن عفان رضي الله عنه ، الذي أرسله لمفاوضة قريش ، قبل أن ينصرف رسول الله صلىاللهعليهوسلم من الحديبية ، وكان معه ألف وأربع مائة رجل ، وبايعهم رسول الله صلىاللهعليهوسلم على الصبر المتناهي في قتال العدو إلى أقصى الجهد ، حتى قال سلمة بن الأكوع وغيره : بايعنا رسول الله صلىاللهعليهوسلم على الموت. وقال ابن عمر وجابر : على ألا نفرّ.
والمبايعة مفاعلة من البيع ، لأن الله تعالى اشترى منهم أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة ، ثم صار اسم البيعة يطلق على معاقدة الخلفاء والملوك. وعلى هذا سمّت الخوارج أنفسها الشّراة ، أي الذين اشتروا بزعمهم الجنة بأنفسهم.
ومعنى الآية : إن الذين يبايعونك أيها الرسول بيعة الرضوان بالحديبية : تحت الشجرة على قتال قريش ، إنما يبايعون الله ، أي يطيعونه ويعاهدونه على امتثال أوامره ، وصفقتهم إنما يمضيها الله تعالى ويمنح الثمن ، أي الثواب عليها ، فمن بايع النبي في الظاهر ، فقد بايع الله في الحقيقة والواقع.
وأكد الله هذا المعنى بقوله : (يَدُ اللهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ) أي بأنّ عقد الميثاق مع الرسول صلىاللهعليهوسلم كعقده مع الله تعالى على السواء ، وأن الله حاضر معهم ، يسمع أقوالهم ويرى مكانهم ، ويعلم ضمائرهم وظواهرهم ، والله تعالى هو المبايع حقيقة بوساطة رسوله صلىاللهعليهوسلم ، فهو السفير المعبر عن الله ، وسفارته بين الله وأوليائه المؤمنين.
فمن نقض البيعة مع النبي صلىاللهعليهوسلم ، فإنما وبال نقضه وضرره على نفسه ، لا يجاوزه إلى غيره. ومن وفى بالعهد وثبت عليه ، ونفّذ ما عاهد عليه الرسول صلىاللهعليهوسلم في البيعة ، فسيؤتيه الله ثوابا جزيلا ، ويدخله الجنة ، كما عبر الله تعالى : (لَقَدْ رَضِيَ اللهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ ما فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً) [الفتح : ٤٨ / ١٨].
![التفسير الوسيط [ ج ٣ ] التفسير الوسيط](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4062_altafsir-alwasit-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
