لكن طاعة وقول معروف : أحسن أو أمثل ، فذلك هو الأمر المرضي لله تعالى ، فإذا جدّ الحال ووجب ، أي وفرض القتال ، فلو صدقوا في ذلك القول ، وفي القتال ، وأطاعوا الله تعالى ، وأخلصوا له النية ، لكان إظهار الإيمان والطاعة خيرا لهم من المعصية والمخالفة. ثم وبخهم الله تعالى على تقصيرهم ، فلعلكم إن توليتم عن الطاعة والجهاد ، وأعرضتم عن الإسلام أو عن القتال وتنفيذ أحكامه ، أن تعودوا إلى ما كنتم عليه في الجاهلية ، فتسفكوا الدماء ، وتفسدوا في الأرض بالبغي والظلم ، والنهب والسلب وسائر المعاصي ، وتقطّعوا أرحامكم بالقتل والعقوق ووأد البنات وارتكاب سائر مفاسد الجاهلية ، وبعبارة أخرى : فهل عسى أن تفعلوا إن توليتم غير أن تفسدوا في الأرض ، وتقطّعوا أرحامكم؟
ثم صب الله عليهم اللعنة ، فقال : أولئك الظالمون ، وسفاكو الدماء بغير حق : هم الذين أبعدهم الله من رحمته ، وطردهم عنها ، فأصمهم في الدنيا عن استماع الحق ، وأعمى أبصارهم عن رؤية الحق (١) ، وعن النظر في أدلة الكون الدالة على عدالة نظام الله تعالى ، وشرعه في عباده ، من تحريم الدماء والأموال بغير حق ، وهذا نهي عن الإفساد في الأرض عموما ، وعن قطع الأرحام خصوصا ، ويتضمن الأمر بالإصلاح في الأرض ، وصلة الأرحام ، وهو الإحسان إلى الأقارب.
أخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه ، عن النبي صلىاللهعليهوسلم قال : وخلق الله تعالى الخلق ، فلما فرغ منه ، قامت الرحم ، فأخذت بحقوي (٢) الرحمن عزوجل ، فقال : مه ، فقالت : هذا مقام العائذ بك من القطيعة ، فقال تعالى : ألا ترضين أن أصل من وصلك ، وأقطع من قطعك؟ قالت : بلى ، قال : فذاك لك» قال أبو هريرة
__________________
(١) هذا استعارة ، لعدم فهمهم ، فكأنهم عمي وصمّ.
(٢) الحقو : الإزار أو الخصر ، والمراد هنا : أنه مجاز عن شدة التعلق واللجوء إلى الله والاستعانة به.
![التفسير الوسيط [ ج ٣ ] التفسير الوسيط](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4062_altafsir-alwasit-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
