وفي قولهم : (أَنْصِتُوا) تأدب مع العالم ، وتعليم كيف يكون التعليم.
وأكدت سورة الجن على هذا ، باستماعهم القرآن وإيمانهم به ، ومطلعها : (قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقالُوا إِنَّا سَمِعْنا قُرْآناً عَجَباً (١) يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنا أَحَداً) (٢) [الجن : ٧٢ / ١ ـ ٢].
وأدى وفد الجن هذا مهمة تبليغ القرآن ورسالته إلى قومهم ، فقالوا : يا قومنا ، إننا سمعنا كتابا أنزله الله من بعد توراة موسى ، مصدقا لما قبله من الكتب المنزلة على الرسل ، يرشد إلى الدين الحق ، وإلى طريق قويم نافع في العقيدة والعبادة والمعاملة والخبر.
وخصصوا موسى عليهالسلام بالذكر ، لأحد أمرين : إما لأن هذه الطائفة من الجن كانت تتدين بدين اليهود ، وإما لأنهم كانوا يعرفون أن موسى عليهالسلام قد ذكر محمدا صلىاللهعليهوسلم وبشّر به.
وأضافت الجن قائلين : يا قومنا ، أجيبوا داعي الله : وهو رسول الله خاتم النبيين ، أو أجيبوا القرآن الداعي إلى توحيد الله وعبادته وطاعته ، يغفر لكم بعض ذنوبكم التي هي من حقوق الله ، ويحمكم ويمنعكم من عذاب موجع مؤلم ، هو عذاب النار ، والمؤمن يدخل الجنة ، وتحميه الحفظة من النار.
وفي هذه الآية دلالة واضحة على أن الله تعالى أرسل محمدا صلىاللهعليهوسلم إلى الثقلين : الجن والإنس ، حيث دعاهم إلى الله تعالى ، وقرأ عليهم سورة الرحمن التي فيها خطاب الفريقين ، فكان النبي إذا قرأ : (فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ) (١٣) [الرحمن : ٥٥ / ١٣] قالوا : لا شيء من آلائك ربنا نكذّب ، ربنا لك الحمد. ولما ولّت هذه الجماعة تفرقت على البلاد منذرة للجن ، قال قتادة : ما أسرع ما عقل القوم.
وأتم الجن كلامهم لقومهم بعد الأمر بإجابة داعي الله ، وبالتحذير من مخالفته ،
![التفسير الوسيط [ ج ٣ ] التفسير الوسيط](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4062_altafsir-alwasit-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
