وما بينهما من سائر المخلوقات ، وخالقها ومالكها وما فيها ، إن أردتم معرفة ذلك عن يقين تام ، لا شك فيه.
ومن صفات الله بعد إثبات الرّبوبية : اتّصافه بالوحدانية ، فهو الإله الواحد الذي لا إله غيره ، وهو الذي يحيي الأشياء والمخلوقات ، ويميتها ، وهو أيضا ربّ الآباء الأوّلين والأجداد الأقدمين ، وربّ الموجودين ومن يأتي بعدهم ومدبّر شؤونهم ، والرّبوبية تستحقّ العبادة ، فالله وحده دون غيره يستحقّ العبادة.
بل هؤلاء المشركون في شكّ من أمر البعث والتوحيد ، يلعبون ويعبثون. وهذا إضراب عما قبله من الكلام ، ينفي ما تقدّم ، كأنه يقول : ليس هؤلاء ممن يؤمن ، ولا ممن تنفعه وصية ، بل هم شاكّون لاعبون في أقوالهم وأفعالهم.
فانتظر أيها المشرك يوم تأتي السماء إما بدخان حقيقي أو بما يشبه الدخان ، والذي يشبهه : هو ما تعرّض له المشركون من شدة الجوع والقحط ، حتى كان الرجل يرى من الجدب والجوع دخانا بينه وبين الناس ، والآيات الآتية تقوي هذا التأويل ، روى البخاري ومسلم وغيرهما عن ابن مسعود قال : إن قريشا لما استعصوا على النّبي صلىاللهعليهوسلم دعا عليهم بسنين كسني يوسف ، فأصابهم قحط ، حتى أكلوا العظام ، فجعل الرجل ينظر إلى السماء ، فيرى ما بينه وبينها كهيئة الدخان من الجهد ، فأنزل الله : (فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ ..) فأتوا رسول الله صلىاللهعليهوسلم فقالوا : يا رسول الله ، استسق لمضر ، فإنها قد هلكت ، فاستسقى ، فسقوا ، فنزلت.
وطلب الناس قائلين : يا ربّنا اكشف عنا عذابك ، إنا مصدّقون بالله ورسوله ، ولكنهم لم يكونوا صادقين ، ومن أين لهم التّذكر والاتّعاظ والوفاء بالعهد بالإيمان بعدئذ ، وكان قد جاءهم رسول مبيّن أدلة الإيمان ، ثم أعرضوا عنه ، وقالوا : إنما يعلّمه القرآن بشر غيره ، إنه مجنون لا عقل له.
![التفسير الوسيط [ ج ٣ ] التفسير الوسيط](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4062_altafsir-alwasit-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
