وهناك روايات أخرى ، ومجمل الروايات كلها : أن سبب نزول هذه السورة : هو استضعاف النبي صلىاللهعليهوسلم ، واستصغار أتباعه ، والشماتة بموت أولاده الذكور ، ابنه القاسم بمكة ، وإبراهيم بالمدينة ، والفرح بوقوع شدة أو محنة بالمؤمنين ، فنزلت هذه السورة إعلاما بأن الرسول صلىاللهعليهوسلم قوي منتصر ، وأتباعه هم الغالبون ، وأن موت أبناء الرسول صلىاللهعليهوسلم لا يضعف من شأنه ، وأن مبغضيه هم المنقطعون الذين لن يبقى لهم ذكر وسمعة ولا أثر ، البعيدون عن كل خير ، المحرومون من أي فضل.
والمعنى : لقد منحناك الخير الكثير ، ومنه نهر في الجنة ، جعله الله كرامة لرسول الله صلىاللهعليهوسلم ولأمته. أخرج أحمد ومسلم وغيرهما عن أنس بن مالك قال : «أغفى رسول الله صلىاللهعليهوسلم إغفاءة ، فرفع رأسه متبسما ، فقال : إنه أنزل علي آنفا سورة ، فقرأ : بسم الله الرحمن الرحيم : (إِنَّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ) (١) حتى ختمها. وفي الحديث : «هل تدرون ما الكوثر؟ قالوا : الله تعالى ورسوله أعلم ، قال : هو نهر أعطانيه ربي في الجنة ، عليه خير كثير ، ترد عليه أمتي يوم القيامة آنيته عدد الكواكب ، يختلج العبد منهم ، فأقول : يا رب ، إنه من أمتي ، فيقال : إنك لا تدري ما أحدث بعدك».
وكما أعطيناك هذا الكوثر ، فداوم على صلاتك المفروضة والنافلة ، وأدّها خالصة لوجه ربك وانحر ذبيحتك وأضحيتك ، وما هو نسك لك ، وهو الهدي (شاة أو بعير مقدم للحرم) وغير ذلك من الذبائح لله تعالى وعلى اسم الله وحده لا شريك له فإنه هو الذي تعهدك بالتربية ، وأسبغ عليك نعمه دون سواه ، كما قال تعالى في آية أخرى : (قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيايَ وَمَماتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (١٦٢) لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ) (١٦٣) [الأنعام : ١٦٢ ـ ١٦٣].
وهذا على نقيض فعل المشركين ، الذين كانوا يصلون لغير الله ، وينحرون لغير الله ، فأمر الله نبيه صلىاللهعليهوسلم أن تكون صلاته ونحره لله ، وهو أيضا نقيض فعل المنافقين
![التفسير الوسيط [ ج ٣ ] التفسير الوسيط](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4062_altafsir-alwasit-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
