القبور لخبير بهم ، مطلع على جميع أحوالهم ، لا تخفى عليه منهم خافية في ذلك اليوم وفي غيره ، وهو مجازيهم في ذلك اليوم على جميع أعمالهم أوفر الجزاء ، دون أن يظلموا مثقال ذرة. وإذا علموا ذلك ووعوه ، فعليهم ألا يشغلهم حب المال عن شكر ربهم وعبادته والاستعداد للآخرة بالعمل الصالح. وتخصيص أعمال القلوب بالذكر ، لأنها البواعث على الأفعال العضوية الصادرة من الإنسان.
وهذا إخبار وتعريف بالمآل والمصير ، أي أفلا يعلم الإنسان مآله ومصيره فيستعد له؟ وبعثرة ما في القبور : نقضه مما يستره والبحث عنه ، وهي عبارة عن البعث. ثم استؤنف الخبر الصادق بأن الله تعالى خبير بهم يومئذ. والله تعالى خبير دائما ، ولكن خصّص (يومئذ) لأنه يوم المجازاة ، فإليه طمحت النفوس ، وفي هذا وعيد مصرّح بما سيحدث.
تدل هذه الآية على أن الله تعالى عالم بالجزئيات الزمانية ، لأنه تعالى نص على كونه عالما بكيفية أحوالهم في ذلك اليوم ، ويعد منكر هذا العلم كافرا.
إن القسم الإلهي بخيول الجهاد على توصيف طبع الإنسان ، بكونه جحودا للنعمة ، وشهادته بهذا الطبع على نفسه ، وبكونه محبا للمال ، بخيلا به بخلا شديدا ، يوجب علينا الحذر من هذا الطبع ، ومحاولة تعديله ، وجهاد النفس وترويضها للتخلص من هذه الصفات السيئة فينا.
أما الإصرار على هذا الطبع والإبقاء عليه ، فهو مدعاة للتهديد والوعيد والإنكار الشديد ، لا سيما إذا علم الإنسان أنه سيلقى ربه ، ويحاسبه على أعماله حسابا دقيقا ، ويجازيه عليها جزاء وافرا.
وفي ملاحظة هذا الوضع وخطورة المصير ، يدرك الإنسان في النهاية : أنه هو الجاني على نفسه إذا قصر في واجباته ، وأهمل القيام بما عليه ، ولم يتحمس لفعل الخير ، ولم يرعو عن فعل الشر.
![التفسير الوسيط [ ج ٣ ] التفسير الوسيط](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4062_altafsir-alwasit-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
