السّلام حول التربية وترك القتل ، اتّجه إلى معارضة موسى في قوله : (إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعالَمِينَ) فاستفهمه استفهاما عن مجهول من الأشياء ، كما يستفهم عن الأجناس الغريبة ، فقال فرعون : وما حقيقة ربّ العالمين الذي أرسلك؟ وهل هناك إله غيري؟ فأجابه موسى عليهالسلام : الله : هو خالق السماوات والأرض ومالكهما ومدبّرهما ، والمتصرّف فيهما ، والمهيمن على ما بينهما من مخلوقات ، كلهم خاضعون لله طوعا أو كرها ، وذلك إن كنتم موقنين بضرورة إسناد هذه المحسوسات إلى موجود واجب الوجود لذاته ، فاعلموا أنه هو الله ، ولا يمكن تعريفه إلا بأفعاله وآثاره.
فقال فرعون الذي لم يعجبه الجواب ، لمن حوله من حاشيته ، على سبيل التّهكّم والاستهزاء وتكذيب موسى : ألا تعجبون من جوابه ، وألا تستمعون لمواربته وبعده عن الجواب الحقيقي؟ أسأله عن حقيقة ربّ العالمين ، فيذكر أفعاله وآثاره.
فأجاب موسى بجواب آخر أخصّ مما سبق وأدلّ على المقصود ، لأنه واقع محسوس مشاهد لهم : إن الله تعالى هو خالقكم وخالق آبائكم المتقدمين ، فهو الذي أحدثهم وأوجدهم ، وهو الواجب لذاته ، الباقي بعد فناء خلقه ، لا أول له ولا آخر. فلم يرض فرعون أيضا بهذا الجواب. وقال لقومه : إن رسولكم الذي أرسل إليكم لا عقل له ، ولا يفهم السؤال ، وإنه لمجنون يخلط في كلامه.
فأجاب موسى عليهالسلام بجواب ثالث أوضح : إن الله تعالى هو ربّ المشرق الذي تشرق منه الشمس في الصباح ، وربّ المغرب الذي تغرب فيه الشمس في المساء ، ومثلها سائر الكواكب والنجوم الثوابت والسّيارة ، مع انتظام دورانها في مداراتها. وهذا الجواب يبين مدى عجز فرعون الذي لم يكن له إلا ملك مصر ، وأما الله سبحانه فله ربوبية المشرق والمغرب. وذلك إن كنتم تعقلون هذا الكلام وتفكّرون في قدرة الله تفكيرا سليما.
![التفسير الوسيط [ ج ٢ ] التفسير الوسيط](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4061_altafsir-alwasit-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
